قراءَة في كتاب: «الزّمن في العربيّة، من التّعبير اللّغوي إلى التّمثيل الذّهني (دراسة لسانية إدراكية)» للدكتورة جنان بنت عبد العزيز التميمي

أبريل
02

قراءَة في كتاب:
«الزّمن في العربيّة، من التّعبير اللّغوي إلى التّمثيل الذّهني (دراسة لسانية إدراكية)»
للدكتورة جنان بنت عبد العزيز التميمي 
من إصدارات كرسيّ د.عبد العَزيز المانع لدراسات اللغة العربية وآدابها ،جامعة الملك سعود،
ط.1، 1434هـ/2013م
تقديم: عبد الرحمن بودرع10003908_10152069507367582_1332294094_n
أصدرَ كرسيّ الدّكتور عبد العَزيز المانع لدراسة اللغة العربيّة وآدابها، كتاباً عنوانُه: « الزّمن في العربيّة، من التّعبير اللّغوي إلى التّمثيل الذّهني، دراسة لسانية إدراكية». للدّكتورة جنان بنت عبد العزيز التميمي،العضو في هيئة التدريس في قسم اللفة العربية بجامعة سَلمان بن عبد العَزيز، والحاصلة على دكتوراه الفلسفة في اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود، وصاحبة بحوث ودراسات، منها: النحو العربي في ضوء اللسانيات الحديثة (دار الفارابي 2013)، والمرأة في المَثَل الشعبي (مجلة الخطاب الثقافي بجامعة الملك سعود)، ومفهوم المرأة بين نص التنزيل وتأويل المفسرين (دار الفارابي 2012)، والحدود النّحويّة في التّراث: كتاب التّعريفات للشّريف الجُرجاني أنموذجاً (2008).
* يقعُ موضوعُ الكتاب في إطارِ اللّسانيات الإدراكيّة التي تدرسُ قُدرةَ الإنسان اللغويّة، وطريقَتَه
في تقسيم العالَم وإدراكه وتسميته، ويُفيدُ هذا الضّربُ من البُحوث في معرِفَةِ ظاهرة التعبيرِ الزّمنيّ، وطريقةِ تأويل العَقْلِ العربيّ للزّمنِ وعلاقَتِه بالأبعاد الأخرى كالمكانِ والعَدَد والتَّشْخيصِ والمدركات التّجسيديّةِ وغيْرِها، وطريقةِ اللغةِ العربيّةِ في إدراك مفهوم الزّمنِ وتقسيمِه وتنظيمِ رؤيتِه للعالَم وتمثُّلِه على هيئةِ بنياتٍ ذهنيّةٍ، بناءً على مَفْهوم الزّمَن.
* وقد اجتهدَ البحثُ في رَصد العباراتِ الزّمنيّةِ في المدوّناتِ اللّغويّةِ العربيّةِ، من خلالِ مرجعيّةٍ كبيرةٍ تختزنُ طاقةً ثقافيّةً زمنيّةً هائلةً، وقد استَفادَت الباحثةُ كثيراً من هذه المرجعيّةِ الكَبيرَة واستمدّت منها المفاهيمَ الـمُمثّلةَ للصورِ الذّهنيّةِ حولَ الزّمَن، فقَد اعتمَدَ البحثُ على المعاجم العَربيّةِ وكتُب الأدَب وفنّ الشّعرِ، وكتُب التّاريخِ والحَديث والفقه والتّفسير والسياسَة الشّرعيّةِ، وكتُب البلاغة الاستعارَة والدّلالة والأمثال والفُروق اللّغويّة، وكتُب اللسانيّات الحَديثَة والفكرِ وعلم النّفسِ الإدراكيّ. وقَد أسعَفَت هذه المصادرُ والمراجعُ، عربيُّها وعَجَميُّها، في استخراجِ المعجمِ الزّمنيّ في اللّغة العربيّة، واعتمادِه أساساً طريقاً للتّوصُّلِ إلى المستوى اللغويّ التّمثيليّ، ومنه إلى بُلوغِ الـمَرام في هذا البَحث، وهو: البنيةُ الزّمنيّةُ للغةِ العربيّة في العَقلِ العربيّ، ومعرفَة ما إذا كانَ الزّمنُ في التّصوّرِ العربيِّ؛ -وهو أنّ الـمُستقبَل قادمٌ من الأمامِ ومتّجهٌ إلى الرّاهنِ، وذاهبٌ إلى الخَلفِ- ذا خُصوصيّةٍ وتفرُّدٍ، أو أنّ المستقبلَ الغائبَ يقعُ في الخَلفِ لأنّه مجهولٌ، وأنّ الماضِيَ المعْلومَ موقعُه الأمامُ، حسب ما يوجَد في بعض الثَّقافاتِ والأعراف؛ فأنت تَرى أنّ بعضَ الثّقافاتِ لها تصوّرٌ خاصٌّ للزّمن فهو يَدخلُ في التّــركيبَة الذّهنيّةِ والنّفسيّةِ والاجتماعيّةِ لكلّ قومٍ على حدة، ويتحدّدُ في علاقتِه بالبُعد المَكانيّ أيضاً، ولكنّه ليسَ بالضَّرورةِ أمراً موضوعيّاً مشتركاً أو حقيقةً ثابتةً بين شعوبِ الأرضِ وقَبائلِها قاطبةً. نعَم لقد ابتكَرَ العالَـمُ مَقاييسَ زمنيّةً متواضَعاً عليْها وقسَّمَ النّاسُ المسافاتِ الزّمنيّةَ تقسيماً دقيقاً يُحتكَمُ إليه في تنظيم الأعمال والعلاقات بينَهم، ولكنّ ذلِك التّصنيفَ الموضوعيَّ لم ينفِ على أيةِ حالٍ ما اصطلَحَ عليْه كلُّ شعبٍ أو مجموعةٍ لغويّةٍ أو اجتماعيّةٍ من تقسيمٍ وتصوّرٍ.
*لم يفُت الباحثةَ الكريمةَ وهي تُعالـجُ الظّاهرةَ الزّمنيّةَ، أن تنظرَ في مصادرِها ومَراجعِها التي بين يديها، وأن تُقسّمَ تلكَ المصادرَ تقسيماً منهجياً معيّناً بحسبِ قربها أو بُعدها من تصوُّر هذا البحث؛ فقد انقسَمَت إلى اتّجاهَيْن اثنين، أحدهُما أجرى تطبيقَ نظريةِ الاستعارةِ الإدراكيّةِ على بعض النّصوصِ والمدوَّناتِ العربيّةِ، والثّاني تَناولَ موضوعَ الزّمَن في اللغةِ العربيّة بمنهجٍ نحويّ تركيبيّ أو معجميٍّ دلاليّ. وأمّا الباحثةُ فقَد شقَّت لبحثِها طريقاً ثالثاً إذ اعتمَدَت منهجيةَ اللسانيّاتِ الإدراكيّةِ في مُعالجةِ ظاهرةِ التّعبيرِ الزّمنيّ. ولعلّ الأساسَ الإدراكيّ في العباراتِ الزمنيّةِ للغةِ العربيّةِ لم يَحْظَ بدراسةٍ تكشفُ عن بنيةِ الزّمنِ في الفكرِ الأدبيّ العربيّ، فكانَ هذا الكتابُ مرجعاً جديداً يفتحُ البابَ على موضوعٍ ذي جِدَّةٍ وتميّزٍ ودقّةِ تصوّرٍ؛ إنّه موضوع التعبير الزّمنيّ من وجهةِ نظرِ اللّسانيّاتِ الإدراكيّةِ وبخاصّةٍ من وجهةِ نظرِ الاستعارةِ الإدراكيّةِ، أبدَعَت فيه صاحبتُه إبداعاً فتَحَ لها البابَ أمامَ كلّ ما كُتبَ وصُنِّفَ في علوم العربِ وآدابِها وفُنونها ودواوينِها، لتصيرَ المكتبةُ العربيّةُ مرجعاً صالحاً للتنقيبِ عن الزّمن العربيّ والتّنقيرِ عن مكوِّناتِه وأبعادِه. لَقَد خرقَت الكاتبةُ ببحثِها هذا التّصوُّرَ النّمطيّ للزمن في العربيّة، الذي كان سائداً في الدّرس اللغويّ والأدبيّ القَديم، والدّراساتِ النحويّةِ واللسانيّة، حيثُ سادَ اعتقادٌ جامدٌ مفاده أنّ الزّمَنَ مرتبطٌ بمقولاتٍ نحويّةٍ صرفيّةٍ لها مُصطلحاتُها وألفاظُها، وعُبِّر عن بعض تلك المفاهيم النّمطيّة بظروف الزّمان والمكانِ، وبأسماء الزّمان والمَكان الـمُبْهَمَة، وبالزّمن الماضي والحاضر وبالحال وبدلالةِ الصّيغِ الصّرفيّةِ على الزّمَن…
* ومن أهمّ ما طبعَ منهجَ البحثِ أيضاً عنايةُ الباحثةِ بالمصطلَح، فقَد توقّفَت عند المصطلَح الأدقّ الأنسَب لبنية بحثها؛ من ذلكَ تفضيلُها مُصطلَح الإدراك والإدراكيّة على كثيرٍ من المصطلَحات الـمُستعمَلة اليومَ في اللسانيّاتِ العربيّة الـمُعاصرَة كالمعرفة والعرفان والعَرفَنَة… ودعمت اختيارَها للمصطلَح هذا، بالعلل الوافية التي تُختصَر في :
– الحرصِ على رَفع اللَّبس، الذي يُحدثُه كلُّ مُصطلحٍ من المصطلَحاتِ لـمَتروكَة.
– وموافقَةِ “الإدراكيّة” للعلوم التي تُعْنى باختصاصاتِ الفلسَفَة وعلم النّفس والذّكاء الاصطناعيّ وطرُق الذّهن في امتلاكِ المعرفَة…
– ومُناسَبَة الـمُصطلَح الـمُنتقى في هذا البَحث، للكلماتِ المألوفَة في المعاجم العربيّة وكتبِ الفُروقِ اللّغويّة. ويُعدُّ تحقيقُ مناسبة المصطَلَح لِما تداوَلَه العُلَماءُ قديماً من مفرداتٍ، اختياراً منهجيّاً سديداً يصلُ حاضرَ العلمِ بماضيه، ويؤسِّسُ للتّأصيلِ، ولمُواكبَةِ المَوْروث للعصر.
* اعتمَدَت الباحثةُ منهجَ الوَصفِ والتّحليلِ، فقَد تناولَت بهذا المنهجِ عدداً كبيراً من النّصوصِ العربيّةِ مُستخرِجةً منها العباراتِ الزّمنيّةَ ومُصنِّفةً إيّاها إلى أصنافٍ بحسبِ البُعد الإدراكيّ الذي ينتمي إليه كلُّ صنفٍ على حِدَة، ومركِّزةً على تأثيرِ الَمعارفِ والـمُدْرَكاتِ والثَّقافاتِ في تصوُّرِ البُعدَيْن الزَّمنيّ والمكانيّ، واتِّخاذهِما نُقطَتَيْن مرجعيتيْن في تَحْديد الأشياءِ والـمَفاهيم.
واقْتَضى هذا المنهجُ أن تَقفَ الكاتبةُ على كلِّ العَناصِرِ المؤلِّفَةِ لمادَّةِ البحثِ عن الزّمن في التصورِ العربيّ وعناصرِه، وعلى رأسها عُنصُرُ الاستعارَة الإدراكيّة، التي تُهيمنُ على الفكر والسُّلوك والنَّسقِ التّصوُّري عموماً، ثمَّ عُنصُرُ البُعد الـمَكانيّ في عَلاقتِه بالزَّمَن، ثم عُنصرُ البُعد التَّجْسيديّ، ثمّ عُنصرُ بُعد المقِياسيّ. وهذه أبعادٌ تُهيمنُ على الإنسانِ في تصوّرِه للزّمَن.
فأمّا البُعدُ المكانيّ فأهميتُه وخطرُه، في أنّه أداةٌ لبناءِ مفهومِ الزّمَنِ، لأنّ المَفاهيمَ التي يؤلِّفُها العربيُّ عن الزّمَنِ مُستمَدّةٌ من مَفهوم المَكان ومبنيةٌ عليه وبُعدٌ من أبعادِه، فللزّمن العربيّ مَكانٌ، وله خطٌّ وامتدادٌ يضربُ في الماضي والحاضرِ والمُستقْبَل، ومَكان الماضي وراءَ المتكلّمِ، وحاضرُه مركزُ وجوده، ومُستقبَله أمامَه، والزّمَنُ رحلةٌ تُشدُّ لها الرِّحالُ، وطريقٌ يُقطَعُ ومساحةٌ مكانيةٌ تحلُّ فيها الأشياءُ، والزّمنُ منزلُ الإنسانِ ومأواه، ومَكانٌ لإخفاءِ الأشياءِ والذّكرياتِ، ومَوقعٌ للأحداثِ.
وأمّا البُعدُ التّشخيصيّ فمفاده أنّ العربيَّ « يستخدمُ الشّخصَ في بناءِ مَفهوم الزَّمَن »، ويُبْنى الزّمَنُ ههنا بمَفاهيمَ وعلاقاتٍ مُستمدّةٍ من الأشخاصِ، فالزّمَن تُستَعارُ له أفعالُ الإنجازِ البشريّةُ فهو يُعطي ويمنعُ ويأتي ويَمضي، وله صفاتُ البَشَرِ وأفعالُهم ومشاعرُهم، فهو «يُغيرُ كالجَيشِ ليُخفيَ ضوءَ الصّباحِ» وهو كالمرأة «تحبل وتَلِدُ وتجهضُ» ويتزيّنُ بالحليّ كالنّساءِ؛ فالزّمَنُ امرأةٌ، وله دورةٌ كدورةِ حياةِ الإنسانِ، وله صفاتُ أجسادِ البشر وأعضائهم، وهو جَليسُ الإنسانِ، وعدوٌّ محاربٌ…
وأمّا البُعدُ التّجسيديّ فيصوَّرُ فيه الزّمَنُ « مادةً جامدةً » و «مادّةً سائلةً» تجري كالنّهر، وستاراً، و لَوْناً، ومالاً ذا قيمة، والزّمنُ كتابٌ، والزّمنُ شجرةٌ ذاتُ أغصانٍ، أغصانُها السّنون والشّهورُ وأوراقُها الأيّامُ، فالزمنُ ذو قيمٍ وصفاتٍ تجسيديّةٍ مُستمدّةٍ من الطّبيعَة الصّامتةِ، التي تُحيطُ بالعربيّ .
وأمّا البُعدُ المقياسيّ للزمنِ فيبدو في لُجوءُ العربيّ إلى قياسِ الأوقاتِ بحركاتٍ معيّنةٍ وأماراتٍ ودلالات؛ كحالاتِ ظلّ الشّمسِ وحَرَكات الطّبيعَة وحَرَكة الأشياء، بل يتخذُ الإنسانُ نفسَه مقياساً لتحديدِ المدّة الزّمنيّة، تبعاً لحركات الأعضاء والوظائف التي في جسمِه، فيتحسّسُ المدّةَ الزّمنيّةَ بما أوتِيَه من إدراك وإحساسٍ، وكأنّه يقيسُ بمقياسٍ موضوعيّ يعتَمِدُه، وقد يقيسُ بالأجرامِ السّماويّة وبحركة النّجومِ والكَواكب والأقمار .
وانتهَت الباحثةُ إلى أنّ العربَ اتّخذوا أبعاداً غير زمنيّةٍ لقياسِ الزّمنِ، فقَاسواالزّمَنَ بالمَكانِ، وقاسوا بالبُعد التّجسيديّ والبُعدِ التّشخيصيّ والبُعد المقياسيّ، وأشهر الأبعاد المُتّخَذَةِ في تصوُّر الزّمن التّصوّر التّشخيصيّ الذي يصوّرُ الزّمنَ على هيئة شخصٍ.
وختَمَت البحثَ باقْتراح جملةٍ من المواضيع والمشروعات التي تشتركُ في الأساسِ الإدراكيّ وتختلفُ في مادّةِ التّطبيقِ، وفي هذا الاقتراحِ ما يُفيدُ أنّ المقاربَةَ الإدراكيّةَ زاويةٌ مركزيّةٌ من زَوايا النّظرِ إلى الأشياءِ تُمكّنَ الباحثينَ من الإمساكِ بالآلياتِ الرّئيسَة.
هذا وصفٌ مٌقتضبٌ للكتابِ الجَميلِ الذي بين أيدينا، ولكنّ الوَصفَ لا يُغني عن قراءَة الأصلِ المَوصوف، والاطّلاعِ على تَفاصيلِ الفُصولِ، وما اشتملَت عليه المادّةُ المعروضَةُ من حرصِ صاحبتها على الإحاطةِ بالأمثلة والشّواهِدِ الشعريّةِ والصّورِ الشّمسيّةِ والجَداولِ البيانيّةِ.
ولا نخلُصُ إلى الخاتمةِ إلاّ بعدَ الوقوفِ عندَ علاماتٍ بارزةٍ من عَلاماتِ إنجاز هذا العملِ العلميّ الكبيرِ ذي السّمتِ الزّمنيّ الإدراكيّ المتميّزِ؛ من هذه العَلاماتِ :
– أنّ الكاتبةَ حملَت القارئَ في رحلةٍ لغويةٍ فلسفيّةٍ علميّةٍ ممتعةٍ، امتزجَت فيها اللغةُ بالفكرِ والحَياةِ والذّاتِ، واقْتَضى الوُقوفُ على الأبعادِ الفكريّة والنّفسيّةِ والاجتماعيّةِ أن تبرهنَ على ممازجةِ اللغةِ للميادين المختلفة، وأنّ الإنسانَ يعيشُ باللغة ويُفكّرُ بها ويتمثّلُ بها الأشياءَ ويُدركُ بها العالَمَ المحيطَ به
– اجتمَعَ في أسلوبِ هذا الكِتابِ أمرانِ اثْنانِ: أسلوب “العلميّة الدَّقيقة الــمُـتتبِّعَة والــمُستقْرِيَة لموادّ الموضوع وظواهرِه وأمثلتِه وعلاقاتِ تلك الظّواهِرِ بعضِها ببعض، والأمرُ الثاني: أسلوب “الشاعرية” والتّذوق للنصوص الفَصيحة التي فيها القيم الزمنيةُ طافحةً مُترعةً بعباراتٍ ذاتِ ظلالٍ وارفةٍ وحواشٍ رقيقةٍ تُعينُ على الْتقاطِ دَقائق الموضوع بالذّوقِ الشعريّ الرّائعِ والسّمتِ الفنّي الرّاقي. فهو أسلوبٌ علميّ في إهابٍ شعريّ بَلاغيّ؛ يدلُّك على ذلِك صيغةُ العناوين المجازيّة وحمولتها الاستعاريّة وشحنتُها البلاغيةُ: -مكان الماضي خلفنا -الحاضر مركز وجودنا –المُستقبَل أمامَنا –الزّمنُ طريقٌ –الزّمنُ مأوى –الزّمنُ مَكانُ إخْفاء –الزّمن امرأة –الزّمنُ يتنفّسُ –الزّمنُ له رأس ووجه وعينانِ وظهرٌ ومنكبٌ ويدٌ، وهو يسمعُ وينطقُ وله أخلاقٌ –وهو جليسُ الإنسان وعدوٌّ وقاتلٌ وسلطةٌ حاكمةٌ –والزمنُ مادّة جامدةٌ ونهرٌ جارٍ وستارٌ ورداءٌ ومالٌ يُستثمَرُ وكتابُ تُقرأ فيه الحِكَمُ وشجرةٌ ذاتُ أغصانٍ وأوراق
فللعناوينِ شاعريّةٌ عاليةٌ وقوةٌ إيحائيّةٌ ، التي تضعُ القارئَ في عُمقِ الحقلِ الدّلاليّ للزّمن . وأبلغُ العناوينِ وأمهرُها تلك التي تقرأ لك ما تحتَها ، وأجملُ الكُتُبِ ما قُرئَ من عُنوانِه
أمّا العنوانُ الأكبرُ، عنوان الكتابِ: الزمن في العربية: من التعبير اللغوي إلى التمثيل الذّهني، دراسة لسانية إدراكية، ففيه إبداعٌ وصنعةٌ وحُسنُ انتقاءٍ : تعميم في الأول، ثم تخصيص وحصر، ثم تحديد لمنهج الدراسَة
وهكذا فالبحثُ في موضوع الزمن مُغرٍ وصعب؛ وفلسفته شاقةٌ، ولكنّ نشوة الظفر بالجديد لا تخلو من مشقة، والقارئُ يظفرُ من هذا الكتابِ بجدّةٍ وعُمقٍ وجودةٍ .

لا يوجد ردود

انْقِلابُ المَقاييس

أكتوبر
06

رُفعَ إلى مَتنِ الحياةِ ومركز الضوء وأشعة التأثير كلُّ ظالم مستبدٍّ، وفنّان مهرّج، وراقصٍ مهيِّجٍ وشاربٍ عربيد، ومُحتالٍ على أموال الناس وأوقاتهم وأعمارِهم، وأُنْزِلَ إلى الحاشيَة كل عالم ومفكر ومثقف مهموم، أشطانُ بئر التافهينَ ترفعُ أقواماً وتخفضُ آخَرين

رد واحد

الإلحاحُ في الخَير والإصْرارُ في الشّرّ

مارس
26

يَكثُرُ في الناسِ إخراجُ اللفظ عن دلالته جهلاً ومن غير قصدٍ إلى مَجازٍ أو وجه من وجوه التّوسّع اللّغويّ، أن يستعملوا الإصرارَ في الخير. والغالبُ في دلالَة أصرَّ يُصرُّ إصْراراً فهو مُصرٌّ، أن يَكونَ في الشّرّ، والصّوابُ أنّ دَلالَة ألحَّ يُلحُّ إلحاحاً فهو مُلحٌّ ومِلْحاحٌ، تَكونُ في الخير:

–  والإِلْحاحُ مثل الإِلْحافِ. وأَلَحَّ عليه بالمسأَلة وأَلَحَّ في الشيء كثُر سؤالُه إِياه كاللاّصق به. وأَلَحَّ على الشّيء أَقبل عليه لا يَفْتُرُ عنه وهو الإِلحاحُ، وامرؤٌ مِلْحاحٌ مُدِيمٌ للطلب، ورَحى مِلْحاحٌ على ما تطْحَنُه، وأَلَحَّ السّحابُ بالمَطَر دامَ؛ قالَ امرؤ القَيس:
دِيارٌ لسَلْمى عافِياتٌ بذي خالِ /// أَلَحَّ عليها كلُّ أَسْحَمَ هَطَّالِ 
وسحابٌ مِلْحاحٌ دائم وأَلح السحابُ بالمكان أَقام به، وامرؤٌ ملحاحٌ في الدّعاءِ كَثيرُ الدّعاء لا يَفتُرُ،والعَبْدُ الملحاحُ في دُعاءِ الخيرِ مَحمودٌ

– أمّا الإصْرارُ فمَعْناه الإرصادُ، والغالبُ فيه أن يُستعمَلَ للدّلالَة على مَعانٍ غير مَحمودةٍ، لا صغيرة مع إِصرار، والإِرْهاصُ على الذَّنب الإِصْرارُ عليه؛ فمَن أصرَّ على صغيرةٍ كبُرَت الصّغائرُ فاقترَبَت من الكَبائرِ، والإِصرارُ يَكونُ في باب المعاصي فهو إصرارٌ عَلَيْها، وكلُّ شَيءٍ من المَعاصي يُضْمِرُه صاحبُه ويُصِرُّ عليه فإِنما هو الإِصرارُ وإِنْ لم يَعْمَلْه؛ ومنه قوله تعالى: «ولم يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ»

قالَ ابنُ مَنظور: أصَرَّ على الذّنب لم يُقْلِعْ عنه؛ وفي الحَديث ما أَصَرَّ من استغفر أَصرَّ على الشيء يُصِرُّ إِصْراراً إِذا لزمه ودَاوَمه وثبت عليه وأَكثر ما يُستعمَلُ في الشّرِّ والذّنوب، يعني من أَتبع الذنب الاستغفار فليس بِمُصِرٍّ عليه وإِن تكرَّر منه وفي الحديث ويلٌ لِلْمُصِرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلوه وهُمْ يَعلمونَ. وقال البيهقيّ في شُعَب الإيمان: قال ابن عباس : « كلُّ ذنب أصرَّ عليه العبدُ كبيرٌ وليس بكبيرٍ ما تابَ عنه العبدُ»
وفي معرفَة الصّحابَة لأبي نُعَيْم الأصبهانيّ [باب مَن اسمه حصين]: قالَ حَرملَةُ للنبيّ صلّى الله عليْه وسلّمَ: يا رَسولَ الله، إنّ لي إخواناً مُنافقينَ، كنتُ فيهم رأساً أفَلا أدُلّكَ عليهم؟ فَقالَ رَسول الله صلى الله عليه وسلمَ: «مَن جاءَنا كَما جِئْتَنا اسْتغفَرْنا لَه كَما اسْتغفرْنا لَكَ، ومَن أصَرّ على ذلكَ فالله أوْلى به، ولا تَخْرِقْ عَلى أحَدٍ سِتْراً»

لا يوجد ردود

في المُصطَلَح المُشتَرَك، حلقة 2

مارس
24

نستأنفُ حديثَنا عن المُصطَلَح المُشترَك، ونشيرُ في هذا السياقِ، إلى قضيّة منهجيّة ما برحَت الدّراساتُ العربيّةُ الحديثَة في النّقد والأسلوبيّات والسيميائياتِ والتداولياتِ والتأويليّات، تقَع فيها، ذلكَ أنّك كلّما اطّلعْتَ على كثيرٍ ممّا يُكتَبُ اليومَ عن التّراث الاصطلاحيّ والتّراث البلاغيّ واللغويّ والتّراث الكلاميّ، فإنّك تجدُ الأحكامَ المُرسَلَةَ والمُصادراتِ العامّةَ لِما صُنّفَ في الفُنون والعلومِ من مصادرَ قَديمَةٍ، وإنّما مبعثُ تلكَ الأحكامِ العَجْلى رَغبة كثيرٍ من الباحثينَ المُعاصرينَ في التّخلُّصِ السّريعِ من أعباءِ الحديثِ المفصّل والتّحليل المدقّق لمناهج النّظر والتناوُل التي نهَجَها القُدماءُ في مصنّفاتهم، فيعمد هؤلاءِ إلى القَفزِ على كيانٍ ضخمٍ من قيم الزّمان والمَكان والمَعرفَة، للانتقالِ إلى الحديثِ عن الإشكالاتِ المعرفيّة المعاصرة، ولا أفهمُ من تلكَ المُصادَرَة وذلك القَفزِ المنهجيّ، إلاّ نيّةَ الاجتثاثِ، والادّعاءِ الضّمنيّ بأنّ القَضايا التي يبحثونَ فيها، لا تبدأ في الزّمان إلاّ اليومَ ولا في المَكانِ إلا حيثُ يَقفونَ، وأنّ الاجتهادَ المُعاصرَ استقرَّ على ضرورَة مُجاوَزَة البحث فيما كان الأوّلون فيه يَبحثونَ، أو مجاوزةِ الطّرُق والمناهجِ التي كانوا بها يبحَثونَ، وأنّه آن الأوان للانتقالِ إلى القَضايا والمَفاهيم التي أثارَها المفكّرون والفلاسفَةُ المُعاصرون، واصحابُ النظرياتِ والمناهج الحديثَة، انتقالاً كلّيّاً لا رجعةَ فيه، وأنّه ينبغي توحيد مَقاييس انتقاء القَضايا المَبحوثِ فيها وزوايا النّظَر المَبحوث منها والأدوات المنهجيّة المَبْحوثِ بها.

والحقيقةُ أنّه ينبغي التّوقُّفُ الطّويلُ قبلَ ثَقافَة القَفز والمُصادَرَة، وذلكَ من أجل دراسةِ مَقولاتِ التّراثِ وقضاياه وإشكالاتِه في سياقِها الذي كُتِبَت فيه أوّلاً، ثمّ في سياقٍ جديدٍ وهو قابليّة التّمديد: تَمديد القِيَم التي فيه إلى ما بعدَه، وقابليّةُ الإمدادِ: أي استمْداد ما فيه من كلّيّاتٍ، بسببِها يظلُّ العَمَلُ حياً مستمراً، حاملاً في ثناياه أسبابِ بَقائه. وهذا إنصافٌ لهذا الجسم المعرفيّ الضّخم الذي يستقرّ في الزّمان البّشري والامتداد المَكانيّ استقراراً قوياً خالصاً سائغاً غيرَ مَحْجوبٍ عن النّاظرينَ، لا يُنكرُ ذلكَ إلاّ مَنْ غالَطَ في الحَقائقِ نفسَه وأنكَرَ حسَّه. ومَثَلُ هؤلاءِ كَمَثَلِ مَن ردَّ عليْهم عبدُ القاهر الجُرجانيُّ في الدّلائل، ممّن زَهدوا في النّحو وذمّوا الاشتغالَ به، وطَعنوا على الشعرِ والشّعراءِ وعلى البلاغةِ والبُلَغاءِ؛ وسلسلةُ الإعراضِ عَمّا كُتبَ من نصوصٍ وما تَراكَم من مَعارفَ عبر التّاريخ، متَّصِلةُ الحَلقاتِ.

وإنّما وُطّئَ للحَديثِ عن المُصطَلَح بهذه التوطئة ليُعلَمَ أنّه لا ضيرَ في تداخُلِ المَعاني واجتماعِها في حيّزٍ اصطلاحيّ واحدٍ،وأنّ للعلماءِ والمفكّرينَ الحقَّ في استعمالِ المُصطَلَحِ الواحدِ ذي المَعاني المُختلفَة، إذا وَجَدوه مُناسباً لمَفاهيمهم مُناسبةً تامّةً، سواء أكانَ من قبلُ مُستعمَلاً أم لم يَكنْ، ويظلُّ السّياقُ مائزاً، فتداوُلُ الحُقولِ المُختلفةِ للمُصطلَح الواحدِ لَن ينتهي إلى إرباكِ الفكرِ أو إلى الخَلط؛ ما دامَ المُصطلَح مقيَّداً بقَرينةِ السّياقِ الذي يُستعمَلُ فيه.

وفي الحلْقَة الثّالثَة انتقالٌ للحَديثِ عن المُصطَلَح المُشترك الثّاني

لا يوجد ردود

في المصطلح المشترك: 1- التضمين

مارس
22

في المصطلح المشترك: 1- التضمين

لا تختصُّ المفردات اللّغويّة وحدَها بظاهرة الاشتراكِ في الدَّلالة، ولكنّك تجدُ ذلكَ في المُصطلَحات أيضاً، وهذا ما يُمكنُ تسميتُه بالمُصطَلَح المُشتَرَك، وسأضربُ أمثلةً يسيرةً على المصطلَح المُشترك بين النقد والشعر والنحو والدّلالة الأصوليّة

الأنموذجُ الأوّلُ عن المُصطلَح المُشتركِ هو التّضمين، ولكلّ حقلٍٍ من حُقول المَعرفَةِ مَعْنىً ينصرفُ إليه لَفظُ التّضمين ويدلُّ عليه.

فالتضمينُ في النّحو خُروجٌ عن الأصل كتَضْمين الفعل معنى فعلٍ آخَر أو تَضمينِه مَعْنى حَرف [من الأدوات الدّالّة]، كَما في قوله تعالى: «ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا» [الأنبياء:77]، عَلى التَّضْمين، أي مَنَعْناه منهُم بالنّصر.
ولذلك عُدي ألَوْتُ إلى مفعولين -وهو في الأصلِ قاصرٌ أي لازمٌ- وذلك في قولهم لا آلوك نُصْحاً ولا آلوكَ جهداً لمّا ضُمِّنَ معنى لا أمنعك. ومن ذلكَ قولُه تعالى: «وما تَفعلوا مِنْ خَيرٍ فلَن تُكْفروهُ» [بالتاء في رواية ورش]، أي فلَن تُحْرَموه ولَن تُحْرَموا ثَوابَه، ولهذا عُدِّي إلى مَفْعولَيْن لا إلى مَفْعولٍ واحدٍ.

والفعلُ سَفه، لازمٌ فإذا تعدَّى فبتَضْمينِه مَعْنى أهلَكَ: «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفهَ نفْسَه» [البقرَة:130] : وقَد يجوزُ في النفس أن تكونَ منصوبةً لا على تضمين فعلٍ آخَرَ ولكنْ على التَّمييز المَنقولِ عن الفاعِل؛ وأصلُه: سَفِهَتْ نَفْسُه، أي خَفَّت وطاشَت فنُقلَ الإسنادُ من النّفسِ إلى صاحِبِها، على المَجاز العقليّ لوجودِ مُلابسَة بقصدِ المُبالَغَةِ في استغراقِ السّفاهةِ النّفْسَ كلَّها، ثمّ انتَصبَ الفاعلُ على التّمييز تَبييناً للإبهامِ في الإسنادِ المَجازيّ.

أمّا التّضمين بمَعْناه النّقدي، وخاصّةً في المتعلّقِ ببناءِ الشّعرِ فيدلُّ على صفةٍ مذمومةٍ في الشّعر، فالتّضمينُ فيه أن يَكونَ البَيتُ الواحدُ مُعلّقاً بالبَيتِ الثّاني لا يَتمُّ مَعناه إلاّ به. وإنما يُحمدُ البَيتُ إذا كانَ قائماً بنفسه [ذكَرَه النّقّاد ويُنظر ابن عبد ربّه في العِقْد الفَريد، باب من أخبار الشّعراء]

أمّا التّضمين بمَعْناه العامّ، مثلاً في الكتابَة والتّصنيفِ، فقَد يُفيدُ مَعنى التّطعيم والتّزويد… كَما ذكَرَ الجاحظُ في مقدّمة الحَيوان في معرِضِ حديثِه عن تأليف كتابِه: «وليسَ من الأبْوابِ بابٌ إلاّ وَقد يَدخُلُه نُتَفٌ من أبوابٍ أُخَرَ على قدْرِ ما يتَعلّق بها من الأسباب، ويَعرِضُ فيه من التّضمين…»، والتّضمين ههنا يحملُ دلالةً نصّيّة نقديّةً.

علاقَةُ طَرَفي التّضمين: المُضاف والمُضاف إليه:
أورَدَ المبرِّدُ في الكامل شعراً لعبيدِ بنِ أيّوبٍ العَنبريّ، أنشدَه ثعلبٌ:

فإني وتركي الإنسَ من بعد حبِّهم … وصَبْري عَمّن كُنتُ ما إنْ أزايِلُهْ
لَكَالصّقر جلى بعد ما صاد قنية … قديراً ومشوياً عبيطاً خَرادِلُه
أهابوا به فازداد بُعداً وصَدًّه … عن القُرب منهم ضوءُ برقٍ ووابلُهْ

ووقَفَ عند قول الشّاعر: «ضَوءُ بَرقٍ ووابِلُه»، وقال: أمّا التّضمينُ قَوله: “ضوءُ برق ووابلُه”، أرادَ صَدَّه عنهُم ضوءُ برقٍ ووابلُه، فأضاف الوابلَ من المَطر إلى البَرق. وإنّما الإضافةُ إلى الشَّيء عَلى جِهة التّضْمين، ولا يُضافُ الشّيءُ إلى الشّيء إلاّ وهو غيرُه أو بعضُه، فالذي هو غيرُه: غُلام زيدٍ ودار عمرو، والذي هو بعضُه: ثَوبُ خزٍّ، وخاتَمُ حَديدٍ، وإنمّا أضافَ الوابلَ إلى البَرق، وليس هو له، كما قُلت: دارُ زيدٍ، على جهة المُجاورة، وأنّهُما راجعان إلى السّحابة، وقد يُضاف ما كانَ كذا عَلى السّعةِ، كما قال الشاعر:
حَتّى أنخْتُ قَلوصي في دِياركُم … بخيرِ مَن يَحتَذي نَعْلاً وحافيها
فأضافَ الحافيَ إلى النَّعلِ، والتَّقديرُ: حافٍ منها.

والتّضمينُ في المَعْنى أيضاً أن تقتبسَ نصّاً وتُضمّنَه نصّاً آخَر، وقَد عرَّفَ النّويريّ حُسنَ التّضمينِ، في نهايَة الأرَب [باب الكتابَة وأصْناف الكُتّاب] فقال: «حُسنُ التّضمين، فَهو أن يُضمِّنَ المُتكلّمُ كلامَه كلمةً من آيةٍ أو حَديثٍ أو مَثَلٍ سائرٍ أو بَيتِ شعرٍ»، وجَعَلَه من عُلوم المَعاني.

وبابُ التَّضمين أوسعُ من أن يُحاطَ به

رد واحد