سبتمبر
03
كيْفَ يَدّعونَ ذلِكَ ويَزْعُمونَ تلكَ المَزاعِمَ وهُم يَعْلَمونَ أنّ الافْتراضات والنّظرِيّات مُستنْبَطَةٌ أو مَبْنيّةٌ ابْتداءً، من التأمُّلِ في ظَواهِرَ لغويّةٍ أو بَلاغيّةٍ خاصّةٍ بلُغةِ المنظِّرَ، وهو يجتهدُ في تَعميمِ الخاصِّ وادِّعاءِ أنّه من خَصائصِ كلِّ اللغات فكيْفَ أجزِمُ بذلِك جَزْماً، والخوضُ في هذا البابِ يَحْتاجُ إلى تطوّر النظريّاتِ وتَرميمِها باستمرارٍ لتخْرُجَ من منابِتٍها الخاصّة وتستشرِفَ بعضَ الكلّيّاتِ اللغويّة.
القَواعدُ المُستنبطَةَ من القُرآنِ الكَريمِ، في مَجالِ اللغةِ والبَلاغَةِ، هي قَواعدُ تتعلّقُ بنصٍّ غيْرِ بَشَرِيٍّ أي فيها صفاتُ الكلّيّةِ Universalité، وعليْه فإفادَةُ المُحْدَثينَ من قَواعِدِ القُدَماءِ أرْجَحُ من إفادَةِ القُدَماءِ من المُحدَثينَ، ونحنُ إذْ نتأمّل في مناهجِ اللسانيين والسيميائيين والتّداوليّينَ فإنّما نفعلُ ذلِك على سَبيلِ الاستئناسِ وإقامَةِ جُسورِ التّحاوُرِ والتّوافُقِ والأشباهِ والنّظاِئرِ، ولا نَدّعي بحالٍ من الأحْوالِ أنّ فَهْمَ النّصّ القُرآنيّ والغَوصَ على آلائِه ودُرَرِه يَحْتاجُ إلى اسْتعارَةِ نظرِيّة سيمون ديك أو فان دايْك أو رولان بارت أو دوبوغراند أو غيرهم.
.
وعَلَيْه، فالنّصّ القُرآنيّ مُهيْمِنٌ بلغتِه وبَلاغتِه ومَقاصِدِه على كُلِّ النُّصوصِ العربيّةِ، وعَلى كلِّ النّظرِيّاتِ الواصِفَةِ أو المُفسِّرَةِ، جاذِبٌ لقارئه، نابِذٌ للنّظريّاتِ التي تدَّعي إكمالَ فهمِه، فَلَه إذَنْ هاتان القُوّتانِ: الجَذْبُ والنّبْذُ، فتأمّلْ
يونيو
23
وللتّقليدِ في الأمورِ الشّكليّةِ خطرُه أيضاً
أخذَ أهلُ الحَلّ والعَقدِ والمَقاليد يتَسابَقونَ إلى تقليدِ الغَربِ واتّباعِ سَنَنِه، في الأمورِ الشّكليّةِ والأمورِ الباطنيّةِ؛ ولا غَرابةَ في ذلِك، فإنّ تقليدَ الضّعيفِ للقويِّ في الأمورِ الشّكليّةِ ينقلبُ مع الأيّامِ وبِطولِ الإلْفِ والعادَةِ، إلى تقليدِه في الأمورِ الباطنيّةِ؛ لأنّ الباطنَ يتأثّرُ بالظّاهرِ، وإنْ زَعَمَ المُقلِّدُ أنّه إنّما يَستفيدُ من الوَسائلِ والأدواتِ، كاللّباسِ وعاداتِ العيْشِ والطّقوسِ المُختلِفَة… فإنّه مَع مرورِ الأيّامِ يَميلُ إلى الاقتناعِ بمذهبِ أصحابِ تلك الظّواهِرِ والتّسليمِ بِها وارْتضائها واتّخاذِها منهجَ حَياةٍ وسُلوكٍ، وتَذوبُ مُهجَتُه في ذلِك. وإنّ المرءَ يَكْرَه ويأنَفُ أن يُخالفَ ظاهرُه باطنَه، فينقلبُ من مُخالفَةِ الظّاهرِ للباطنِ إلى مُوافقَةِ بيْنَهُما، ويركَنُ مع الأيّامِ إلى التّقليدِ الكلّيّ، وقدْ قرّرَ العُلَماءُ أنَّ الأمورَ الباطنةَ والظاهرةَ بينهما ارتباطٌ ومناسبةٌ، فما يَقومُ بالقلبِ من الشّعور والحالِ يوجبُ أموراً ظاهرةً، وما يقومُ بالظّاهرِ من سائرِ الأعمال، يوجبُ للقلبِ شُعوراً وأحوالاً .
فمُشاركة العرَبِ للغرْبِ في الظاهر تورثُ تناسباً بين المتشابِهَيْنِ يقودُ إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، وإلى الابْتعادِ عن الشِّرْعَة والمِنهاج، والحكمةُ من الشرعةِ والمنهاجِ أن شُرعَ لهم من الأعمال والأقوال ما يباينُ سبيلَ الغربِ غيرِ المسْلِم، والتّناسُبُ والتّشاكُلُ أمرٌ محسوسٌ، فإن اللاّبسَ ثيابَ أهلِ العلم يجدُ من نفسِه نوعَ انضمامٍ إليهم، ويصيرُ طبعُه متقاضياً لذلكَ، أمّا اللاّبسُ ثيابَ الرُّهْبانِ والنّصارى فإنّه يجدُ في نفسِه لهم ميْلاً، وأمّا مُخالَفَةُ الأجنبيّ في الهدْيِ الظاهرِ فإنّها توجبُ مفارقةً وتَبايُناً، وكلّما كانَ القلبُ أتَمَّ حياةً، ليسَ بمجردِ التوسُّم والتّمنّي، كانَ إحساسُه بمفارقةِ الأجنبيّ باطناً وظاهراً أتَمَّ، والبُعدُ عن أخلاقهم أشدَّ.
[انظُرْ كتابَ شيْخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ : اقْتضاء الصِّراط المُستَقيم في مُخالَفَة أهلِ الجَحيم
وانظُرْ كتابَنا: إتْحاف النّاظِر بنُفاضَةِ الضَّمائرِ وعُصارَة الخَواطِر]
يونيو
23
ميخائيل نعيمة، والعربيّة الفصحى
هذا رأي غريبٌ أدلى بِه الكاتبُ اللبناني، ميخائيل نعيمة
يُدافع فيه عن العامّيات و ينتقد فيه العربيّة الفصحى
قبلَ أن أعرِضَ رأيه أقول في حقّ العامّياتِ : لا شكّ أنها أساءت إذ عبثت بالقُيودِ اللّغويّة ،
فبات من المستحيلِ وضعُ قواعدَ محكَمَةٍ لصرفِها و نحوِها و لكتابتِها ؛ فهي في الكثيرِ من
تعابيرِها تكادُ تكونُ لغةَ اختزالٍ ، و العامّيّة العربيّةُ “لُغاتٌ” عدّةٌ لا “لغة” واحدة . هذا و قد
وُجدَ من المثقّفين و الكُتّابِ و الباحثين من دافعَ عن العامّيّةِ و الْتَمَسَ لها الأعذارَ و حمّلَ
الفُصْحى تبِعاتِ العامّيّاتِ و أوزارَها ، قالَ الأستاذ ميخائيل نعيمة : « غيرَ أنّ تفلُّت العامّيّةِ
من القيودِ لا يجبُ أن يُعمِيَنا عمّا في قُيودِ الفصحى من الإرهاقِ ، فهناك قواعدُ كثيرةٌ قد
يكون أنّها كانت ضروريّةً فيما مضى ، أمّا اليومَ فقد أصبحت أَحاجِيَ في استطاعتِنا نبذُها
من غيرِ أن نخسرَ اللّغةَ أو نخسرَ شيئًا بل على العكسِ ، فللُّغة و لنا في نبذِها أو تعديلِها
خيرٌ عميمٌ ، واذكرْ على سبيلِ المثالِ أحرفَ النّصبِ و الجزمِ ، و النِّداءِ و التّمنّي ، و الإعلالِ
و الإدغامِ ، و كان و أخواتها ، و إنّ و أخواتها ، و الهمزةَ و عينَ المضارِع ، و الأعدادَ المركَّبةَ ،
و الممنوعَ من الصّرفِ … و لا أزيدُ ، فالمجال يتّسعُ للتّمادي في البحثِ و التّحليلِ »
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظرْ رأيَه : بين العامّيّة والفُصحى، الأعمال الكامِلة لميخائيل نعيمه: 7/356-359
دار العلم للملايين، بيروت، ط.1 / مارس 1973 م
__________________
مايو
12

أوْلى ما يُعْنى بِه القارئُ اليومَ ويصرفُ إليْه الهمَّ، معرفةُ تجارِب السنين وما يأتي على الإنسانِ من نوائبِ الدّهرِ وحَوادثِ الزّمان، فإنّ في التَّجاربِ علماً مُستأنَفاً، وفي النّظرِ في العَواقبِ شافياً أو مُريحاً، ومَن عرفَها طابَت لَه المَشاربُ، وإنّما يتفاضلُ النّاسُ بحُسنِ البيانِ عمّا في الضّمير وبراعةِ إخراجِه إلى حيّز الوجودِ والتّحرّي في اختيارِ ما ينفعُ النّاسَ ويُناسبُ العصرَ، وكلّ امرئٍ في ذلِك بأصْغَرَيْه قلبِه ولسانِه، وكلُّ مُتكلّمٍ بأجملَيْه فصاحَتِه وبَيانِه. وما أحوجَ كلَّ مُتكلِّمٍ عَن نفسِه وساردٍ لسيرةِ حاضرِه وأمْسِه، إلى تَحرّي وُجوه الصَّواب، وانتقاءِ أنواعِ الحِكَمِ التي تُحيي القلبَ، وتَشحذُ الذّهنَ واللّبَّ، وتَبعثُ على مَكارم الأخلاقِ، ولا شَيءَ أنظم لشمل ذلك كلِّه، من تقْييدِ العِبَرِ وأخبارِ مَن غَبَر، ممّن لقِيَهُم الكاتبُ أو سمعَ عنهُم أو تلْمَذَ عليْهم أو جالَسَهُم أو أفادَ منهُم .
هذا وإنَّ لكلِّ صنفٍٍ من المعرفةِ، سبباً يدعو إلى التأليفِ فيه، ومعنىً يحدو على جمع مُتفرِّقِه. وإنّما الحكمةُ في كلّ فنٍّ جمعُ الأشتاتِ وضمّ المُختلفاتِ، والتّأليفُ بينَ الأشباه والنّظائر، وتمييزُ كلّ مَعْنى نادر.
ولولا تقييدُ الخواطر، ونَقرُ آثار الأوّلينَ، لضاعتْ فوائدُ العلم وحِكَمُه. ولذلكَ قيلَ: «لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما بَقِيَ الأوّلُ يَتعلّمُ منه الأخيرُ» .
هذا، وإنّ رحلَة استرجاعِ الذّاتِ من شِعابِ الماضي وحافظَةِ السّنين، أو ما يُدعَى بالسّيرَةِ الذّاتيّة أو المذكّراتِ أو اليوميّاتِ أو التّرجمَة أو السّيرَة الذّهنيّة، لَمِن أصعبِ الرّحلاتِ التي يستجمعُ لَها الكاتبُ الهِمّةَ العَلْياءَ في أفُقِ التاريخ المُتصرّم، ويستنهضُ لها القوّةَ الاستذكاريّةَ لانتزاعِها من دياجيرِ النّسيانِ.
و حَقٌّ على كلّ فردٍ من أفرادِ الأمّة أن يُحييَ ذاكرتَه وذاكرةَ قومِه حتّى لا تنطبعَ الأجيالُ القادمةُ بآفَةِ النّسيانِ، وأنْ يضعَ بينَ يَدَي القارئِ حَلقاتٍ منْ قِلادةِ الحَياة.
ديسمبر
19
الرّسائلِ اللّغويّةِ اتُّخِذت نَواةً لتأليفِ المعاجمِ المتخصِّصَةِ
تُعدّ الرّسائلُ اللّغويّةُ الصّغيرةُ أساساً أوّلَ لصناعةِ المعاجم المتخصّصة؛ فمنها ما أُلِّفَ في اللّبنِ، والمطرِ، و السّيْفِ، وأسْماءِ الوُحوشِ والإِبِلِ والخيْلِ والشّاءِ، والنّباتِ والنّخْلِ والكرْمِ والزّرْعِ وخَلْقِ الإنْسانِ… وأصْحابُ هذِهِ الرّسائِلِ تَشابَهَتْ جُهودُهُم، ومَهَّدوا السّبيلَ لنشْأةِ المعجمِ العربيّ المُتَخَصِّصِ. وأشهرُ من ألّفَ فيها من اللّغويّينَ النّضرُ بْنُ شميلٍ (ت.203)، وقُطرُبُ بنُ المُسْتَنيرِ (ت.206)، وأبو عُبَيْدَةَ معْمرُ بنُ المثَنّى (ت.210)، وأبو زيدٍ الأنصاريّ (ت.214)، وأبو سعيدٍ الأصْمَعيّ (ت.214)…
انظُرْ عَلى سبيلِ المِثالِ [كِتاب الدّارات] لأبي سَعيدٍ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ قُرَيْبٍ الأصمَعِيّ ، نَشَرَه المستشرق د. أوغست هَفْنر، و[كِتاب النَّبات و الشَّجَر] للأصمَعِيّ، نَشر د. أ.هفنر، وكِتاب النَّخْل والكَرْم] للأصمَعِيّ، نَشْر د. أ.هفنر، و[كِتاب المَطَر لأبي زَيْدٍ الأنصارِيّ، نَشر الأب لويس شيخو اليسوعي، وكِتاب الرَّحْل والمَنْزِل] لأبي عُبَيْد القاسِمِ بْنِ سَلاّم (ت.224)، نَشْر الأب لويس اليسوعي، وكِتاب اللّبإ و اللّبَن] لأبي زَيْدٍ الأنْصارِيّ، نشر أ.لويس شيخو، و [رِسالَة في الحُروفِ العَرَبِيّة] للنَّضْرِ ابْنِ شميلٍ ، نشر أ. لويس شيخو …
و هذِه الرَّسائِل اللّغويّة التي نَشَرَها كلٌّ من د. أوغست هفنر، أستاذ اللغة العربية في كلية إنسبورغ (سابقا)، والأب لويس شيخو اليسوعي، مدير مجلة المشرق (سابقا)، ظهرَ مُعْظَمُها في مجلّة “المشرق”، وطُبِعَت أوّل مرّةٍ سنةَ 1908م، ثمّ أعيد طبعها سنةَ 1914م، وهي الآنَ منشورَة في كِتابٍ جامِعٍ يَحْمِلُ عُنوان [البُلْغَة في شُذورِ اللُّغَة] من مَنْشورات دار الكُتُبِ العِلْمِيّة، بَيْروت، ط.1 / 1427هـ-2006م .
ولا ينبغي لنا أن ننسى ما ألّفَ من قبلُ، في مضْمارِ المعاجمِ المتخصّصةِ من كُتبٍ يونانيّةٍ نُقلتْ إلى اللّغةِ العربيّةِ ، كالمقالاتِ الخَمْسِ، أو كِتابِ الحَشائشِ ، للعالِمِ اليونانيّ “ديوسقريديس العين زَرْبي” (من ق.1م)، وهو مِن نقلِ “اصْطفن بن بسيل” (من ق.3م) ، وإصْلاحِ حُنَيْن بْنِ إسْحاقَ (ت.260) ، و كِتابِ الأدويَةِ المُفْرَدَة للعالِمِ اليونانِيّ “جالينوس” البرْغاميّ (ت.199م)، وهو من نقْلِ حُنَيْن بْنِ إسْحاقَ في إحْدى عَشْرَةَ مَقالَةً. والكِتابانِ طبّيّانِ صيدلِيّانِ موضوعُهُما الأدويةُ المفردَةُ، أي مُفْرَداتُ المواليدِ الثّلاثةِ: النّبات والحيوان والمعادِن، ومثلُ هذا الضّربِ من التّآليفِ العلميّةِ القديمةِ المتخصِّصَةِ كثيرٌ …
و ممّا ألِّفَ في المعاجِمِ المتخصّصةِ ( في القرنِ التّاسعِ عَشَرَ ) المُعْجَمُ المُفَصَّلُ في أسْماءِ الملابسِ عندَ العربِ ، للمستشرِقِ “دوزي” (ت.1883م) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انظر تفصيل الكلام عن هذه المعاجم المتخصّصة كتابَ:
دِراسات في المُعْجَم العربيّ: 10، 199، 376… لإبراهيم بن مراد .
دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط.1 / 1987
وانظر أيضاً :
المنتقى من فصيح الألفاظ للمعاني المُتداوَلة عبد الرحمن بودرع
منشورات جامعة عبد المالك السعدي، كلية آداب تطوان، المغرب
مطبعة الخليج العربي، ط.1 / 2008م
آخر الردود