في المُصطَلَح المُشتَرَك، حلقة 2

مارس
24

نستأنفُ حديثَنا عن المُصطَلَح المُشترَك، ونشيرُ في هذا السياقِ، إلى قضيّة منهجيّة ما برحَت الدّراساتُ العربيّةُ الحديثَة في النّقد والأسلوبيّات والسيميائياتِ والتداولياتِ والتأويليّات، تقَع فيها، ذلكَ أنّك كلّما اطّلعْتَ على كثيرٍ ممّا يُكتَبُ اليومَ عن التّراث الاصطلاحيّ والتّراث البلاغيّ واللغويّ والتّراث الكلاميّ، فإنّك تجدُ الأحكامَ المُرسَلَةَ والمُصادراتِ العامّةَ لِما صُنّفَ في الفُنون والعلومِ من مصادرَ قَديمَةٍ، وإنّما مبعثُ تلكَ الأحكامِ العَجْلى رَغبة كثيرٍ من الباحثينَ المُعاصرينَ في التّخلُّصِ السّريعِ من أعباءِ الحديثِ المفصّل والتّحليل المدقّق لمناهج النّظر والتناوُل التي نهَجَها القُدماءُ في مصنّفاتهم، فيعمد هؤلاءِ إلى القَفزِ على كيانٍ ضخمٍ من قيم الزّمان والمَكان والمَعرفَة، للانتقالِ إلى الحديثِ عن الإشكالاتِ المعرفيّة المعاصرة، ولا أفهمُ من تلكَ المُصادَرَة وذلك القَفزِ المنهجيّ، إلاّ نيّةَ الاجتثاثِ، والادّعاءِ الضّمنيّ بأنّ القَضايا التي يبحثونَ فيها، لا تبدأ في الزّمان إلاّ اليومَ ولا في المَكانِ إلا حيثُ يَقفونَ، وأنّ الاجتهادَ المُعاصرَ استقرَّ على ضرورَة مُجاوَزَة البحث فيما كان الأوّلون فيه يَبحثونَ، أو مجاوزةِ الطّرُق والمناهجِ التي كانوا بها يبحَثونَ، وأنّه آن الأوان للانتقالِ إلى القَضايا والمَفاهيم التي أثارَها المفكّرون والفلاسفَةُ المُعاصرون، واصحابُ النظرياتِ والمناهج الحديثَة، انتقالاً كلّيّاً لا رجعةَ فيه، وأنّه ينبغي توحيد مَقاييس انتقاء القَضايا المَبحوثِ فيها وزوايا النّظَر المَبحوث منها والأدوات المنهجيّة المَبْحوثِ بها.

والحقيقةُ أنّه ينبغي التّوقُّفُ الطّويلُ قبلَ ثَقافَة القَفز والمُصادَرَة، وذلكَ من أجل دراسةِ مَقولاتِ التّراثِ وقضاياه وإشكالاتِه في سياقِها الذي كُتِبَت فيه أوّلاً، ثمّ في سياقٍ جديدٍ وهو قابليّة التّمديد: تَمديد القِيَم التي فيه إلى ما بعدَه، وقابليّةُ الإمدادِ: أي استمْداد ما فيه من كلّيّاتٍ، بسببِها يظلُّ العَمَلُ حياً مستمراً، حاملاً في ثناياه أسبابِ بَقائه. وهذا إنصافٌ لهذا الجسم المعرفيّ الضّخم الذي يستقرّ في الزّمان البّشري والامتداد المَكانيّ استقراراً قوياً خالصاً سائغاً غيرَ مَحْجوبٍ عن النّاظرينَ، لا يُنكرُ ذلكَ إلاّ مَنْ غالَطَ في الحَقائقِ نفسَه وأنكَرَ حسَّه. ومَثَلُ هؤلاءِ كَمَثَلِ مَن ردَّ عليْهم عبدُ القاهر الجُرجانيُّ في الدّلائل، ممّن زَهدوا في النّحو وذمّوا الاشتغالَ به، وطَعنوا على الشعرِ والشّعراءِ وعلى البلاغةِ والبُلَغاءِ؛ وسلسلةُ الإعراضِ عَمّا كُتبَ من نصوصٍ وما تَراكَم من مَعارفَ عبر التّاريخ، متَّصِلةُ الحَلقاتِ.

وإنّما وُطّئَ للحَديثِ عن المُصطَلَح بهذه التوطئة ليُعلَمَ أنّه لا ضيرَ في تداخُلِ المَعاني واجتماعِها في حيّزٍ اصطلاحيّ واحدٍ،وأنّ للعلماءِ والمفكّرينَ الحقَّ في استعمالِ المُصطَلَحِ الواحدِ ذي المَعاني المُختلفَة، إذا وَجَدوه مُناسباً لمَفاهيمهم مُناسبةً تامّةً، سواء أكانَ من قبلُ مُستعمَلاً أم لم يَكنْ، ويظلُّ السّياقُ مائزاً، فتداوُلُ الحُقولِ المُختلفةِ للمُصطلَح الواحدِ لَن ينتهي إلى إرباكِ الفكرِ أو إلى الخَلط؛ ما دامَ المُصطلَح مقيَّداً بقَرينةِ السّياقِ الذي يُستعمَلُ فيه.

وفي الحلْقَة الثّالثَة انتقالٌ للحَديثِ عن المُصطَلَح المُشترك الثّاني

رد واحد

رد واحد على موضوع “في المُصطَلَح المُشتَرَك، حلقة 2”

  1.  محمد الأمين محمد خلادي

    السلام عليكم
    لاشلت يمينك أيها الكاتب الكريم ووفقكم الله في خدمة العربية وأهلها
    كلام وازن ورأي متزن وأسلوب رائق مقنع محاجج ومهذب صارم في الموقف وميدان العربية اليوم وواقع النقدالأدبي
    موفقون

أضف رد