مواضيع يناير, 2010

بَيْنَ الشّعْرِ والنّثرِ بَرزخٌ لا يَبْغِيانِ

يناير
24

بينَ الشّعرِ و النّثرِ برزخٌ لا يبْغِيان

-1-

الحقيقةُ أنّ طبيعَة الشّعرِ العربيّ تختلفُ عن طبيعةِ النّثرِ العربيّ اختلافاً كبيراً،
والقطيعَةُ المعرفِيّة التي يتحدّثونَ عنها بين الشّعرِ “التّقليدي” و النّثرِ الحديثِ
الذي يُحشَرُ في دائرَةِ الشّعرِ، قطيعةٌ وعَداءٌ مَعْرِفيّانِ ينتسبانِ إلى أصحابِهما
الأصليين الذين أعلَنوا عَنْ هذه القَطيعَةِ وهذا العَداءِ في لُغاتِهِم وآدابِهِم، أمّا
الشّعرُ العربيّ فلا حاجةَ بِه إلى تَقْليد المُقاطِعينَ أو احتذائِهم.

أمّا النّثرُ العربيّ فله طرُقُه ومناهجُه في الإيقاعِ قد تُشبِه أشعارَ غيرِ العربِ،
و على الرّغمِ من ذلِك لم يُدْرَجْ ناثِرو العربيّة في عِدادِ الشّعَراءِ، في وقتٍ كان
النّثرُ العربيّ أشعَرَ من نثرِ اليومِ ، لم يعدّوا النّاثرَ شاعِراً و لو مجازاً ، و لم
يُشبِّهوه بِه ولو احتمالاً ؛ لأنّ الذّوقَ العربيّ الأصيلَ لم يكنْ يخلطُ بينَ إيقاعِ
النّثرِ ووزنِ الشّعرِ و لا يُدخلُ الأوّلَ في حيزِ الثّاني، و لا موسيقا ذاكَ في عَروضِ
هذا، و لا سجْعَ ذاكَ في قافِيَةِ هذا، مهما يبلغ النثرُ من إيقاعٍ ساحرٍ
فلا يدخُلُ في الشّعرِ الأمثالُ على جَمالِها و لا الخُطَبُ على فَصاحتِها و لا
المَقاماتُ على إيقاعِها و بَلاغتِها .

إيقاعُ النّثرِ يعتمدُ على جرسِ الألفاظِ و مخارِج الحُروفِ والأصواتِ و موازناتِ
العباراتِ، أمّا إيقاعُ الشّعرِ فينشأ عن الوزن والقافِيَةِ ، ومَدارُه على تناسُبِ
الوَقعاتِ الصّوتيّة في أبعادٍ زمنيّةٍ متناسٍبَة

لا يوجد ردود

يناير
24

-2-

هل جانَبَ العُلَماء الصّوابَ عندَما استشهَدوا بالشّعرِ أكثَرَ من استشهادهِم بالنثْر ؟

لم يُجانبِ اللغويّونَ الصّوابَ وهم يحتجّونَ للقَواعدِ بالشّعرِ العربيّ الفَصيح ؛
لأنّ الشّعراءَ جَرَوْا في التّعبيرِ، على مَذاهبِ العربِ في كَلامِها إلاّ ما كانَ
من ضرائِرَ ارْتَكَبوها، فإنّهم راجَعوا بِها أصولاً مَهْجورَةً و لَم يبْتَدِعوا وجوهاً شاذّةً

و لم يُعرَفْ أنّ الطّبقاتِ الأولى من الشّعَراء الفُصَحاءِ الذين احتُجّ بشعْرِهم
قد جَنَحَ بِهم الخَيالُ جُنوحاً حَتّى خَرَجوا عَن مذاهبِ العربِ في كَلامِها بِدَعْوى أنّهم
يُمارِسونَ إنشادَ الشّعرِ و لُغَة الشّعْر … أ لَمْ يَقُلْ عبدُ الله بنُ عَبّاس رضيَ الله عنه،
فيما نَقَلَه السيوطي في المُزهِر :
« إذا سَألتُم عَن شيءٍ منْ غَريبِ القُرآن فالْتمِسوه في الشّعر، فإنّ الشعرَ ديوانُ
العَربِ » ؟

[المزهِر في علوم اللّغة وأنواعِها، لجلال الدّين السيوطي، النوع الحادي والأربعون:
معرفة آداب اللغوي]

لا يوجد ردود

يناير
24

-3-

عندَما تُثارُ مسألةُ الشّعرِ ، يَكادُ يدورُ كَلامُ النّاسِ اليومَ حولَ فكرةٍ واحدةٍ
و هي إقصاءُ المَقاييس ، و الزّعمُ بأنّ الإنسانَ شاعرٌ بطبعِه ، و أنّ الكلمةَ
تحملُ بالقوّةِ شُحنةً شعريّةً ، و أنّ قوامَ الشّعرِ تخييلٌ و تعبيرٌ جَميلٌ عن الذّاتِ
و إفصاحٌ عن المشاعرِ الإنسانيّة ، و ما إلى ذلِك ممّا يَكادُ يستوي فيه النّاسُ
غيرَ أنَّ الذي يَميزُ الشّعرَ من غيْرِه هو هذه المَقاييسُ الدّقيقةُ التي يُمكنُ الحديثُ
عَنْها في إطارِ قَواعدِ الشّعرِ وفُنونِه و أقسامه ، و لا يُصبحُ الشّاعرُ شاعراً إلاّ
إذا امتازَ بالتّعبيرِ وبأداةِ التّعبيرِ عَلى السّواءِ ، وأقصدُ بالأداةِ كلّ المَقاييسِ التي
تفصلُ الشّاعرَ عن غيْرِه .

غالباً ما تجدُ النّاسَ يعترِضونَ على القَواعدِ والمَقاييس و المَعاييرِ بالزّعمِ بأنّ
الشّاعرَ حرّ طليقٌ لا ينبغي أن يتقيّدَ بقواعدَ ، و هو زعمٌ يركَبُ مطيّتَه كلّ عاجزٍ
عن نظمِ الشّعرِ فَيَجْنَحُ في الكَلامِ جنوحاً و يصولُ و يجولاً في كلّ شيءٍ إلاّ
في قولِ الشّعرِ لأنّه لَم يَقْوَ على الجمعِ بينَ الأداةِ و بين التّعبيرِ الشّعْرِيّ

تعليقات 5

يناير
24

-4-

الحقيقةُ أنّ طبيعَة الشّعرِ العربيّ تختلفُ عن طبيعةِ كلّ كَلامٍ يختلفُ عن الشّعرِ
كالنّثرِ العربيّ اختلافاً كبيراً، و مَجالَ للموازَنَةِ بينَ الشّعرِ و النّثرِ ، وإنْ زَعَموا أنّ
في النّثرِ شعراً رقيقاً أو قصائدَ نثرِيّةً … أو غيْرِ ذلِك من المُصطلَحاتِ المركّبَة
من أجزاءٍ متناقضةٍ ، تحشُرُ ما ليسَ بشعرٍ في دائرَةِ الشّعرِ.

أمّا النّثرُ العربيّ فله طرُقُه ومناهجُه في الإيقاعِ قد تُشبِه أشعارَ غيرِ العربِ،
و على الرّغمِ من ذلِك لم يُدْرَجْ ناثِرو العربيّة في عِدادِ الشّعَراءِ، في وقتٍ كان
النّثرُ العربيّ أشعَرَ من نثرِ اليومِ ، لم يعدّوا النّاثرَ شاعِراً و لو مجازاً ، و لم
يُشبِّهوه بِه ولو احتمالاً ؛ لأنّ الذّوقَ العربيّ الأصيلَ لم يكنْ يخلطُ بينَ إيقاعِ
النّثرِ ووزنِ الشّعرِ و لا يُدخلُ الأوّلَ في حيزِ الثّاني، و لا موسيقا ذاكَ في عَروضِ
هذا، و لا سجْعَ ذاكَ في قافِيَةِ هذا، مهما يبلغ النثرُ من إيقاعٍ ساحرٍ
فلا يدخُلُ في الشّعرِ الأمثالُ على جَمالِها و لا الخُطَبُ على فَصاحتِها و لا
المَقاماتُ على إيقاعِها و بَلاغتِها .

إيقاعُ النّثرِ يعتمدُ على جرسِ الألفاظِ و مخارِج الحُروفِ والأصواتِ و موازناتِ
العباراتِ، أمّا إيقاعُ الشّعرِ فينشأ عن الوزن والقافِيَةِ ، ومَدارُه على تناسُبِ
الوَقعاتِ الصّوتيّة في أبعادٍ زمنيّةٍ متناسٍبَة

رد واحد