مواضيع يوليو, 2010

منهج المعرفة عند علماء العربية (1)

يوليو
04

من المعلومِ أنّ النّصوصَ و المؤلَّفاتِ التي ينتجُها العلماءُ تصدُرُ عن ثقافةٍ معيَّنةٍ مُوجِّهَةٍ،
تُحَدِّدُ مَعالِمَ النّتاجِ العلميّ، وتكشِفُ عن خلفيّاتِه و مَقاصدِه الفكرِيّة، و تُجيبُ عمّا ينطوي
عليه من أسئلةٍ و هُمومٍ كانت تشغلُ أذهانَ العُلَماءِ ، حتّى صاغوا الإجابةَ عنها على
شكلِ مُصَنَّفاتٍ ، إلاّ أنّ منهم من شعرَ أنّه قد اسْتَوفى العِبارةَ عمّا كان يرومُه من التّأليفِ
و قضى وَطَرَه ، و منهم من ظلّ « سؤالُ المعرِفةِ » متجدِّدًا في ذهنِه ، لا يُقْنِعُه البتّةَ ما
صَنَّفَه في الموضوعِ ، و يَحقّ عَليه قَولُ مَن قال : « إنّه لا يَكتبُ إنسانٌ كتابًا في يومهِ إلاّ
قالَ في غدِه : لو غُيّر هذا لكانَ أحسنَ، و لو زيدَ لكانَ يُستحسنُ ، و لو قُدّم هذا لكان
أفْضلَ ، و لو تُرك هذا لكان أجملَ ، و هذا من أعظمِ العبرِ ، و هو دليلٌ على استيلاءِ النّقصِ
على جُملةِ البشرِ » (1) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
(1) و هو منسوبٌ إلى القاضي أبي عليّ البيساني العسقلاني (ت.596) صاحب مؤلَّفات
في التّاريخ على عهد صلاح الدّين الأيوبي ، قاله مُعتذِرًا عن كلامٍ اسْتَدركَه على عمادِ الدّين
الأصفهاني الكاتب الوزير (ت.597) ، انظر في ترجمة العماد الأصفهاني الكاتب: [وفيات الأعيان
و أنباء الزّمان: 5/147] لأبي العبّاس شمس الدّين بن خلّكان . و النّصّ موجود بكتاب:
[أبجد العلوم/الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم: 1/57]
.

تعليقات 4

منهج المعرفة عند علماء العربيّة (2)

يوليو
04

و نَتساءَلُ بَعدَ هذا : ما هي الأسئلةُ المعرِفيّةُ التي شغلت عُلماءَ العَربيّة، فصَنّفوا
في الإجابةِ عنها المُصنّفاتِ و المتونَ و الشّروحَ ؟
يتعيّنُ قبل الإجابةِ عن هذا التّساؤل ، أن نميّزَ بين مفهومِ المعرفةِ و مفهوم العِلم،
بالمعنى البسيط الذي يناسبُ نشأةَ علومِ اللّغة العربيّةِ و تطوّرَها . جاء في معجمِ
“الكلّيّات” لأبي البقاء الكَفَويّ أنّ « المعرفةَ تُقالُ للإدراك المسبوق بالعدم، ولثاني
الإدراكين إذا تخلّلَهما عدَم، و لإدراك الجُزئيّ، و لإدراك البسيط. و العِلْمُ يقالُ لحصولِ
صورةِ الشّيء عند العقلِ ، و للاعتقادِ الجازم المطابِق الثّابت، ولإدراك الكلّيّ ، و لإدراك
المركَّب . و المعرفة تقال فيما لا يُعرف إلاّ كونه موجودًا فقط، و العلم أصلُه أن يقالَ
فيما يُعرَف وجودُه و جنسُه و كيفيّته وعلّتُه. و المعرفةُ تقالُ فيما يُتوصّل إليه بتفكّر
و تدبّر ، و العلم قد يقال في ذلك و في غيره » (1) .
بناءً على هذا التّعريفِ ، كانَ علمُ العربيّةِ في بدايةِ أمرِه مَعرفةً منَ المَعارفِ، ثمّ أصبحَ
علمًا منَ العلومِ بعدَ تطوّرِ مَنهجِ النّظرِ في النّصوص اللّغويّة، و لذلك يُمكنُ أن تُطلَق
المعرفةُ اللّغويّة على إدراكٍ لظواهرِ اللّغة أو لأجزاء منها واعٍ و بسيطٍ و لكنّه غير مسبوقٍ
بإدراكٍ قبلَه . و المعرفةُ بحكمِ ابتدائها إدراكٌ لآثارِ علمِ اللّغة أو النّحوِ قبل أن يُصبحَ فيما
بعدُ إدراكًا لذاتِه ، و يبيّنُ ذلك أنّ أغلبَ من تحدّثوا عن النّحو – من بين علومِ العربيّة –
ذكروا نشأتَه و ارتفعوا بها إلى تفكيرٍ عمليّ في الظّاهرةِ اللّغويّة ، بل نجد مظاهرَ الحكم
على النّحو في بداياتِه بأنّه كان معرفةً : أنّ التّصنيفَ فيه كان يشمل مسائل جزئيّةً
محدودةً ، كجمع ألفاظ اللّغة دون ترتيبٍ أو نظام ، ثمّ تلا ذلك ترتيبُها في رسائلَ متفرّقةٍ
تدوَّن حول مواضيعَ محدّدةٍ ككتابِ المطرِ ، و كتابِ اللّبن و اللّبأ ، و كتابِ الهمْز أبي زيد
الأنصاري، و كتاب الإبلِ و الخيل و الشّاءِ، و أسماءِ الوحوش و صفاتِها للأصمعي و كتاب
الأضداد لابنِ الأنباري ، و مثلّث قُطرب … و قد جمعت المعاجمُ فيما بعدُ ما تَفرّق في
الرّسائل اللّغويّة ، و جمع كتابُ سيبويه ما تَفرّق من أقوالِ شيوخِه و النّحاةِ من قبلِه ،
و نَظّر لها و قسّمَها إلى أبواب …
و لمّا بدأ النّحو “ينضج” أصبح يستحقّ اسمَ العلم ؛ لأنّه بدأت تتركّب صورتُه المتكاملةُ
في الذّهن ، و عندما كثُر النّظر و استَفحل أخذت المعارفُ تنفصلُ عن بواعثِها الأصليّة
لتصيرَ علومًا .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــ

(1) [الكلّيّات: 824 و 868] ، و انظر في تعريف العلم ، أيضًا كتابَ : [أبجد العلوم/الوشي
المرقوم في بيان أحوال العلوم: 1/29 ]

لا يوجد ردود

منهج المعرفة عند علماء العربيّة (3)

يوليو
04

الخِطابُ النّحويّ و منهج المعرفة :

إذا رجعنا إلى أصولِ هذا « العِلم العربيّ » ذاتِه فسنجدها ترتبط بالمادّة اللّغويّة التي
كانت تُعدُّ “عِلمًا” ، و يُفهم من اصطلاح العِلم هنا أنّه مؤسَّسة أو نظامٌ ثقافيّ يصدُق
على مجتمعٍ بعينه في زمن بعينه وعلى فكرٍ بعينه، ونجد أيضًا أنّه أثيرت قضيّة أصولِ
هذا العلم أو هذه الثّقافة السّائدة ، و ممّا ارتَبط بهذه القضية سؤال كثُر دَورُه و هو :
« هل كان عقلُ العَرب يُنتج العلومَ أم لا ؟ »، وهو سؤالٌ سبقَ أن أُثيرَ في الماضي
القريبِ بصيغٍ كثيرة ؛ فقد انشغل بعضُ الباحثين بمسألة ما إذا كان “عقلُ” العربِ في
الجاهليّة “ينتج” العلومَ و المعارف أو لا . و كثير منهم اقتفوا بهذا النّوع من البحوث نهجَ
المستشرقين ، الذين كانوا منشغلين “بتصنيفِ العقليّات” و معرفةِ الإطارِ الذي يجبُ
أن تُصنّفَ فيه “عقلية العرب” منذ الجاهليّة . و قد ورد في كتاب “فجر الإسلام” ما يُفيد
ذلك ، و يتعلّق الأمرُ بموافقة الكاتب لقولِ بعض المستشرقين في وصف العرب ببعضِ
الصّفات (1) فنَفى أن يكونَ لهم أثارةٌ من العلومِ أو الفلسفاتِ أو الأنظارِ ، أمّا ما اشتمَلوا
عليه من لغةٍ و شعرٍ ، و أمثالٍ و قصصٍ ، و معرفةٍ بالأنسابِ ، و الأنواء و السّماءِ ، و الأخبار
و الطّبّ ، فلم يكن إلاّ مظاهرَ من مظاهرِ حياتِهم العقليّة في الجاهليّة ، و « لا يصحّ أن
تسمّى علمًا أو شبه علمٍ »(2) .
و مثل هذا الكلام تمتدّ أصولُه إلى “الشّعوبيّة” في أحكامها على العرب ، و يمرّ بطائفة
كبيرةٍ من المستشرقين ، ثمّ ينتقل إلى كثير من الدّارسين المقتفين آثارهم ، و هي
سلسلة متّصلة الحلقات موصولة الأسباب .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ

(1) [فجر الإسلام: 35]
(2) [فجر الإسلام: 48]

تعليقات 8

منهج المعرِفَة عند عُلَماء العربيّة (4)

يوليو
04

و الحاصلُ من مثل هذه المذاهب أن يُثْبت أصحابُها أصالةَ “يونان” في العلوم السّائدة ،
و أنّهم مصدر كلّ تفكيرٍ علميّ أو تجديد ؛ فمن هذه المذاهب رَجْعُ النّحو العربيّ إلى أصل
يوناني ، و إن كان المُرجِع يفتقر إلى أدلّة من البنية و التّاريخ لإثبات الادّعاءِ؛ فبنية النحو
تشهد بأصالته ، و كتب التّراجم و التّواريخ لا تذكر مصادرَ التّأثّر و مراجعَه ، و لو استمدّ
المتقدّمون من مصادرَ يونانيّةٍ لذكروا ذلك و لنبّهوا عليه ، و قد لاحظ المستشرق “إرنست
رينان” أنّ العرب منذ القديم كانوا مستعدّين للاعتراف بالتّأثير الأجنبي إذا كان جليًّا (1) . و أثبَت
النّحاةُ المتقدِّمون خُصوصيّةَ النّحوِ و منهجَهم فيه ، من ذلك قولُ أبي القاسم الزّجّاجيّ
في معرِضِ تفريقِه بين مذاهبِ النّحاةِ و مذاهبِ المناطقة : « غَرضُهم غيرُ غرضِنا و مغزاهم
غيرُ مغزانا » (2) ، و أنكروا آثارَ المنطقِ في النّحوِ على مَن كانَ يرومُه ، من ذلك قولُ أبي عليّ
الفارسي عن أبي الحسن الرّمّاني النّحويّ : «إن كان النّحو ما يقولُه الرّمّانيّ فليس معنا
منه شيءٌ ، و إن كان النّحو ما نقولُه نحن فليس معه منه شيءٌ » (3) ، و ذكر أبو حيّان التّوحيدي
في كتاب “البصائر والذّخائر” أنّه كان يراجعُ العُلَماءَ في شأن الرّمّاني ، فحكى عن النّحويّين
أنّهم قالوا : ليس شأنُه في النّحو شأنَنا »(4) ، و ذهبوا إلى أنّ النّحو منطقٌ و لكنّه مسلوخٌ عن
العربية (5) . و قد تميّز الذين انتصروا للمسالك المنطقية في البحث النّحوي عن غيرهم من النّحاة،
و عُرفت الحدودُ الواضحة بينهم ، و اشتهر الخلافُ بين أصحاب الرّأي و القياس في النّحو و بين
أصحاب النّقل و النّصّ .
و الحديثُ عن إنتاج “عقل العرب” للعلوم أو عدم إنتاجه أمرٌ يرجع إلى “المفاضلة بين العقولِ” ،
و يصعب الخوض فيه لأنّ فيه معاييرَ غيرَ علميّة تعتمد على النّبشِ في تواريخِ الأمم لإثباتِ انحرافِ
بعضِها عن “الخطّ العلمي المزعومِ” الذي رسَمه النّابشُ و نظّر له .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ

(1) Histoire Générale des Langues Sémitiques – Paris , 1863
(2) [الإيضاح في علل النّحو: 43] لأبي القاسم الزّجّاجي .
(3) [نُزهة الألِبّاء في طَبَقات الأُدباء: 379] لأبي البركات الأنباري .
(4) نقلاً عن كتاب : [الرّمّاني النّحوي في ضوء شرحه لكتاب سيبويه: 45] د. مازن المبارك .
(5) [المقابسات: 8] لأبي حيّان التّوحيدي .

لا يوجد ردود

منهج المعرِفة عند علماء العربية (5)

يوليو
04

و يبدو أن العربَ في الجاهليّة قد أنتجوا علمًا من غيرِ نظرٍ عقليّ و لا فلسفة ؛ فقد فصّلَ
أبو القاسم الشّاطبيّ في كتاب “الموافقات” القولَ في علومِ العرب قبل الإسلام ، فذكر
أنّ العربَ كان لها اعتناء بعلومٍ ذكَرها النّاس ، و كان لعُقَلائهم اعتناء بمكارمِ الأخلاق ،
فصحّحت الشّريعةُ منها ما هو صحيحٌ و زادت عليه ، و أبطلت ما هو باطلٌ ؛ فمن عُلومِها
علمُ النّجوم و ما يختصُّ بها من الاهتداءِ في البَرّ و البحر و اختلافِ الأزمان […] و منها
عُلوم الأنواء و أوقات نزولِ الأمطار و إنشاء السّحاب و هبوب الرّياحِ المثيرةِ لها […] و منها
علم التّاريخ و أخبار الأممِ الماضية […] و منها علم الطّبّ فقد كان في العربِ منه شيءٌ
لا على ما عند الأوائلِ ، بل مأخوذ من تجاريبِ الأمّيّين غير مبنيّ على علومِ الطّبيعة التي
يقرّرُها الأقدمون […] و منها صُنوف البلاغة و وُجوه الفصاحة ، و هو أعظمُ مُنتحَلاتِهم […]
و منها ضربُ الأمثال …
و ختم الشّاطبيّ تفصيلَه في علومِ العرب بقولِه : « فهذا أنموذجٌ ينبِّهك على ما نحن بسبيله
بالنّسبة إلى علومِ العرب الأمّيّة »(1) . ويبيّنُ أن العربَ أنتجوا علمًا من غيرِ نظرٍ عقليّ. و قد
اتُّخذَ هذا العلمُ مادّةَ دراسة العلماءِ فيما بعد ، و اعتُبر أخذُه شرطًا في الالتحاق بالعلم ؛
و من ثَمّ كان النّصّ النّحويّ مرحلةً أخيرة تسبقُها مراحلُ يمكن اعتبارُها شروطًا في الإنتاج .
و يمكن تلخيصُ هذه المراحلِ فيما يمكن تسميتُه ببنية أخذِ العلوم ؛ فرجلُ النّحو لا يمكن
قَبول كلامِه و لا عدُّه خطابًا نظريّا موضوعًا على اللّغة ، إلاّ إذا تلقّى مجموعةً من المعارفِ
من طائفة من العارفين ، و كان تلقّيه بالسّماع . و أمرُ السّماع واحد في الشّعر و اللّغة
و القراءاتِ ، و قد كان للشّعراءِ رُواةٌ موكلون بجمعِ أشعارِهم، و قلّ أن يخلوَ شاعرٌ عن راوٍ ،
و قد سارت بكلامِ رواة الشّعرِ الرّكبانُ ، و منه تكوّن كلامُ النّقّاد (2)



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ
(1) [الموافقات: 2/71-76]
(2) فقد عُرف أنّ أنّ الحطيئةَ كان راويةَ زهيرٍ و آل زهير ، و كان زهير راويةَ أوس بن حجر،
و كان عمرو بن عفرى الضّبّي راويةَ الفرزدق و كان محمّد بن سهل راويةَ الكميت، و كان
كثيّر عَزّةَ راويةَ جميل ، و كان جميل راويةَ هدبةَ بن خشرمٍ ، و كان يحيى بن الجون العبدي
راويةَ بشّار : [طبقات فحول الشّعراء: 1/104، 2/328،545] لمحمّد بن سلاّم الجمحي،
[الأغاني: 2/157،398، 3/129] لأبي الفرج الأصفهاني.

رد واحد