مواضيع أبريل, 2013

ثقافة الصورة في عصر الصورة

أبريل
26

images
ثقافةُ الصّورةُ لها حَسناتٌ كثيرةٌ من دون شكٍّ ؛ ولكنّ لها مَساوئَ، لا ينتبه إليها كثيرٌ من النّاسِ.
أكبرُ مساوئ الصّورةِ أنّها قامَت مَقامَ الذّاكرَةِ، فضاقَ نطاقُ التّذكُّرِ وحلَّت محلَّه الصّورةُ، ولم يعد النّاسُ يحفظونَ أو يعقلونَ الأمورَ في ذاكرتهم، بل أصبحت الصّورةُ علامةً كبْرى على المعرفَةِ، فما غابَ عن البصرِ غابَ عن العلم، وما مَثلَ أمامَ البصرِ وشخصَ أو حملتْه عَدساتُ التّصويرِ فهو حاضرٌ في الذّهنِ والعنايةِ والاهتمامِ، ويُبْنى عليْه علمٌ.
والأصلُ في المسألةِ أنّ الثّقافةَ الحديثةَ المُستوْحاةَ من فلسفةِ الغربِ في تدبيرِ المعرفةِ، ثقافةٌ مادّيةٌ لا تعترفُ إلاّ بما يُشخَّصُ وما تَراه العينُ، ولذلِك تجدُ عندهم التّماثيلَ والصّورَ تملأ كلّ مكانٍ، بل اتّخذوا للأنبياءِ والزّعماءِ والعُظماءِ ممّن رأوهُم وممن لم يُتح لهُم أن يَروْهُم، اتّخَذوا صوراً تخيّلوها، وأغلبُ صورهم أجسامٌ عاريةٌ، من وحي خيالهِم وميولهم الجنسيّةِ وفلسفاتهم المادّيةِ ومذاهبِهم الوضعيّةِ في الحياةِ، فلا حاجةَ إلى ذاكرةٍ ، ولْتقم الصّورُ مقامَها ، لَقَد غَدت الصّورةُ اليومَ ثقافةً راسخةً وعلامةً على العصرِ ، فلا تكادُ تجدُ اليومَ كتاباً يخلو من صورةٍ أو نشاطاً ثقافياً يَخْلو من ملصقٍ أو خبراً لا تصحبُه صورٌ أو سلعةً لا تُلصَقُ على ظهرِها صورٌ، إلاّ وتُعدّ عاريةً عن الإفادةِ وعرضةً للإهمالِ . وما زالَت الصّورةُ تُهيمنُ على حياةِ الإنسانِ اليومَ حتّى ضعُفَت الذّاكرةُ ومالَت إلى الشيخوخةِ المبكّرةِ وتعذّرَ التّعليمُ والتّواصُلُ الذي لا تتبوّأ فيهالصّورةُ مقعدَ الصّدارةِ…
و لا نغفُل في سياق القولِ بحُلول الصّورةِ محلّ الذّاكرةِ، ما فتحته الصّورةُ وتقنياتُها من طرقٍ واسعةٍ في الإيهامِ والاحتيالِ والتّزويرِ وحملِ المُخاطَبِ على التّصديقِ، والاحتجاجِ بالصّورةِ ، من غيرِ أن يَسأل إن كانَ المشهدُ مركّباً مُلْبِساً أو بسيطاً صحيحاً

تعليقات 3

كتاب جديد في الخطاب القرآني ومناهج التأويل.

أبريل
05

khitab1

ولِماذا نَصِّيَّةُ القُرآنِ؟ الجَوابُ القريبُ: أنّ النّصّ القُرآنيَّ عِمادُ الحَضارةِ الإسلاميّة، ومُؤسِّسُها، أمّا التأويلاتُ المُعاصرَةُ التي تَحومُ حولَ القُرآنِ الكَريمِ ولا تقرَبُ النّصَّ، فَلا يسوغُ اتّخاذُها أساساً لفهمِ الفكرِ الإسلاميّ أو الحَضارةِ الإسلاميّة؛ لأنّها لا تتمتّعَ بمرجعيّةٍ شَرعيّةٍ تُبوِّئُها المَقْعَدَ اللاّئقَ في تَفسيرِ دلالاتِ النّصّ وتأويلِها.
و قدْ تعرَّضَ النّصُّ القُرآنيّ لحَمْلَةٍ تأويليّةٍ واسعةٍ من قِبَل المذاهبِ والفِرَق والاتجاهات المُختلفَة منذ القَديم، ووَصلَ الاختلافُ بينَها في هذا الأمرِ إلى دَرجةِ التّعارُضِ والانقِسامِ ، ويعودُ هذا الاختلافُ في جُزءٍ كَبيرٍ منه إلى اختلافٍ في مَنهج فَهم النّص والآليات المُعتمَدَة، وهي آلياتٌ جاهزةٌ تُسقطُ فهماً خاصّاً على النّصّ القرآنيّ، وتكونُ في الغالبِ بعيدةً عن مَنظومة مَقاصدِ الشريعة الإسلاميّة ، لأنها مُستمَدّةٌ من نَظريةٍ عامةٍ في الفهم، واستُخدِمَت هذِه النظريةُ في الغَربِ تحتَ مُصطلحِ “الهرمنيوطيقا”، الذي ارتَبطَ في بدايةِ نَشأتِه بالنّصوصِ المقدَّسَة… وتَبوّأ تأويلُ النّصّ القُرآنيّ في الفكرِ العَربيّ، في عَصر النّهضَة وما بَعدَه، مَوضعَ الصّدارة، حيثُ أثيرَت تَساؤلاتٌ حَول النّصّ وطريقةِ التّعامُل معه والنّظرِ فيه، وما هي المُقدّماتُ المعرفيّةُ والمنهجيّةُ لفَهم النّصّ الشّرعيّ وقراءَته قراءةً تأويليّةً جَديدةً. والغالبُ على هذِه القِراءاتِ التأويليّةِ أنّها تُشكّكُ في المقولاتِ الفكريةِ الموروثَة وتَستخدمُ مَقولاتٍ فكريةً ومنهجيةً غربيّةً جَديدةً، أو تَستخدمُ مقولاتٍ قَديمَةً بعدَ إفراغها من محتواها ومَنحِها دلالةً جَديدَة كمَقاصد امتكلِّم وتأويلِ المُخاطَبِ؛ فهذِه القراءاتُ التأويليّةُ الحديثَةُ تستخدمُ مفهومَ المقاصد على غير ما وُضعَ له في علم أصول الفقه، وتربطُه بنسبية الأحكام وبتاريخية النص، وتتوسَلُ بمَفاهيمَ تتذَرَّعُ بها لإعادَة القِراءَة والتّصحيحِ، وكأنّ الطّعْنَ والهَدمَ ضرورةٌ علميّةٌ وواجبٌ حضاريٌّ.

وعليه، جاءَ هذا البحثُ ليضعَ اليَدَ على نَماذجَ من التأويلِ الحَديثِ للقُرآنِ الكَريمِ، يعرِضُها عرضاً ويُبيّن مواطنَ الخَللِ فيها وأسبابَ إخراجِ النصِّ عَن مواضعِه ومَقاصدِه، ونقْدِ ما يستحقُّ النّقدَ منها، وهذا بابٌ كبيرٌ من أبوابِ العلمِ ينبَغي أن تُصرَفَ إليه العنايةُ، ويبلُغَ في ذلِك العُلَماءُ الغايةَ، وفي ذلك قالَ الحافظُ أبو الفَرج ابنُ الجَوْزيّ: «لَمّا كانَ القُرآنُ العَزيزُ أشْرَفَ العُلومِ كانَ الفهمُ لمَعانيهِ أوْفى الفُهومِ؛ لأنّ شرَفَ العِلْمِ بشَرَفِ المَعْلوم». وقَد بدأ يظهرُ في ساحةِ المَناهجِ مُقارَباتٌ نصيّةٌ حَديثةٌ تَقومُ على الْتماسِ مَواطنِ الانسجامِ والتّماسُكِ في بناءِ النّصِّ القُرآنيِ والبَحثِ عن كلّ عَناصِرِ التّسانُدِ في البنيةِ اللفظيّةِ والمَضمونِ الدّلاليّ والمَقاصدِ الشّرعيّةِ، التي تَقودُ إلى طريقٍ نَهْجةٍ في النّظرِ السّديدِ والتأويلِ المُفيدِ، بعدَ أن نالَ التّفْسيرَ ما نالَه من حملٍ على أبعدِ الوُجوهِ عن الشّعِ وأقْربِها إلى خدمةِ الأنظارِ والمناهجِ الحَديثَةِ .

ففي المُقاربَةِ النصّيّةِ ما يخدمُ الغرَضَ ويُفيدُ في الاستدلالِ على أسرارِ النّصّ القُرآنيّ وأعماقِه، الجَماليةِ والنّصّيةِ، التي ترتكزُ على الاستمدادِ من بنيتِه النّصّيةِ نفسِها التي تتوافقُ وسياقَه الخارجيّ ومَقاصدَه العُلْيا ولا تُعارضُها، وفي هذه المُقاربةِ النّصّيّةِ أيضاً ردّ حجاجيٌّ بُرهانيٌّ على الأقاويلِ التاريخانيّةِ والأباطيلِ التأويليّةِ والنّظريّاتِ الفلسفيّةِ المُستوْرَدَةِ التي تعْتسِفُ الطّريقَ إذْ تتّخذُ من النّصِّ القُرآنيِّ، قَسْراً، مطيّةً لشحذِ أسلحَتِها وتُحمِّلُه وُجوهاً من الفهمِ وأفكاراً بعيدةً لا يُؤيِّدُها السياقُ الخارجيُّ الذي أحاطَ بنزولِ النّصّ ولا الخِطابُ الذي رافَقَه وبيّنَ مَنهجَ فهمِه وتنزيلِه والاستنْباطِ منه، من سيرةٍ نبويّةٍ وسنّةٍ وسِيَرِ صَحابةٍ واجْتهادِ عُلَماء وتَفْسيرِ مُفسِّرينَ واستبْاطِ فُقَهاء، معَ التأكيدِ أنّ الاعتِمادَ على تلكَ العَتباتِ أو النّصوصِ المُوازِيَةِ والمُرافِقَةِ، لنْ يُسقِطَ عن النّاظرِ في النّصّ القرآنيّ، العارِفِ بشروطِ الفهمِ والتّفْسيرِ وقَواعدِ الاستنباطِ، الإقْرارَ بأنّ بسطَ الدّين على واقع النّاس لا بدّ أن يأخذ بعين الاعتبارِ قضايا العصر ومشكلاتِ النّاس الذين هم مَحلّ الحكم الشّرعيّ، وهي أمورٌ وقَضايا تستلزمُ البحثَ في عُلوم الآلة الجديدة، المُسمّاةِ اليومَ بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، فإنّ هذه العلومَ المُستحْدَثةَ تُعدُّ إلى جانبِ الأدواتِ القَديمةِ المألوفَةِ، أدواتٍ ضروريّةً لفهم الواقع وإدراك أبعاد الإنسان. وتُقدّم من المعارف والنّتائج ما تُصبح معه ضرورةً شرعيّة

تعليقات 5