مواضيع أغسطس, 2013

مَجامعُ اللغة العربيّة بين مُعاناةِ الماضي واستشرافِ الآفاق

أغسطس
27

423677_471264249578100_1976441453_n

مجمعُ اللغة العربيّة على الشّبكَة العالَميّة فتحٌ جديد في تاريخ المَجامع اللغويّة العربيّة

(1)
يبدو من كثيرٍ منَ الأحكام التي تُطلَقُ عندَنا على عملِ المَجامعِ اللغويّة المنتشرة في العواصمِ العربيّة، ومُنجَزاتِها أنّها أحكامٌ سلبيّة سَوْداءُ، وأنّ العلماءَ والمفكِّرينَ الذينَ قُلِّدوا رئاسَتَها من أمثال الأستاذ محمد توفيق رفعت (1934 – 1944) والأستاذ أحمد لطفي السيد (1945 -1963) والدكتور طه حسين (1963 – 1973) والدكتور إبراهيم مدكور (1974 – 1995) والدكتور شوقي ضيف (1996 -2005) والدكتور محمود حافظ (2005 – … في مجمَع القاهِرة، وفي مَجامعَ أخرى بالعواصم العربيّة، من كبار العلماءِ واللغويين والأدباءِ والنّقّاد والمجدّدين… إنّما كانوا يقضون أوقاتَهم في فَراغٍ، وأنّ المَجامعَ المبثوثَة في طولِ الوطنِ العربيّ وعرضِه، في عَمّانَ وبغدادَ ودمشقَ والقاهِرة و الرّباطِ وغيْرِها… لَم تُصدرْ أعمالاً وليس لَها رصيدٌ، ولم تُحقق تراثاً، ولم تُخرِجْ مخطوطاتٍ أدبيّةً وعلميّة ولغويّة وشرعيّة إلى الوُجود، ولم تستشعرْ ثقلَ المسؤوليةَ تجاه العربيّة والتراثِ، ووقفت مُقيَّدَة الأيدي معقولَةَ اللّسانِ خائرةَ القُوى عاجزةً عن الفعْلِ

والسّؤالُ المُثارُ ههنا: ما يقولُ أصحابُ الأحكامِ الجائرَةِ في مسألة التّمكينِ لهذه المَجامِعِ أو عَدَمِه؟ لو كانَت للمجامِعِ كلمةٌ مسموعَةٌ لأُنفِذَت توصياتُها ولانتشَرَت مئاتُ الألفاظِ الفصيحَة المُحقَّقَة، ولخرَجَ إلى النّورِ علمٌ وفيرٌ من بُطونِ المخطوطاتِ المُحقّقَة، لقَد عُطِّلَت المَجامعُ لأنّ القَرارَ السّياسيّ لم يُمكّنْ لَها، بل لم يكنْ لأهل الشأنِ السّياسيّ تخطيطٌ سديدٌ وسياسةٌ دقيقةٌ واضحةٌ يُمكّنونَ بِه لقراراتِ المجامَع ويُساعدونَها على نشر العلومِ وإحياءِ العربيّة. لقَد كانَ كثيرٌ من أهل الحلّ والعَقد من المسؤولينَ مُستغنين عن المَجامع، ولو خُيِّروا بين بقائها وعدمِها لاختاروا العدَمَ، وإنّما استُبْقِيَت لأنّ فئاتٍ واسعةً من الأمّة في حاجةٍ إلى المَجامع لأنّها وصيّ على اللغة إذا قارنّا حالَنا بحال مجامع الغربِ ومراكزِه العلميّة، فَلا قياسَ ولا وجه للمقارَنَة لأنّ البحثَ العلميّ في الغرب تُنفَقُ عليه من ميزانياتِ الدّولَة مبالغُ عالية؛ ويتمتعُ بدعمٍ معنويّ وسياسيّ واقتصاديّ كبير؛ لأنّه جزء من الأمن القوميّ، ولأنّهم مؤمنونَ بخطرِ البَحث العلميّ والمُحافظَة على الهويّة ووحدة اللغة والتراث.

أمّا المَجامعُ اللغويّة العربيّةُ بالوطنِ العربيّ، في ذاتِها، فقد كانَ فيها أمناءُ مُخلصونَ وعُلماءُ مَهَرَةٌ متخصصونَ يهتمّون بواقع العربيّة وسُبُلِ النّهوضِ بِها، ويهتمون بقضايا الترجمة والتعريب وأهميتهما في التنمية اللغوية والحضارية، وقضايا تعليم اللغة للناطقينَ بِها وبغيْرِها، وإنجاز المعاجم المناسبَة للقطاعات المختلفة في المجتمع، ويعقدون النّدوات والمؤتمرات لمدارَسَة تطوير أسلوب عمل المجامع عبر التعاون مع الوزارات والمؤسسات والمنظمات لخدمة اللغة العربية يشعر المجمعيّونَ بمخاطرَ كثيرة، ويضعونَ الخطط لمواجهتها، من هذه المَخاطر والمعوِّقات:
– منافَسَةُ اللغاتِ الأجنبيّةِ ومزاحمتُها للغةِ العربيّةِ في التّعليمِ الجامعيّ.
– التّعثُّر في طريقِ تَعريب العلوم وتطوير التجارب الرّائدة كالتّجرِبَة السورية في هذا المجال
– تَدهور مُستويات تدريس اللغة العربيّةِْ في حَقْلِ التربية والتعليم،
– التقصير في ربط اللغة العربية بمقومات ثورة المعلومات على الشّبكةِ العالَميّةِ لإثراءِ المُحْتوى العربيّ على الشّبَكَة.

قد يعترضُ القائلُ فيقولُ: نحنُ نحترمُ مَن أنجز عملاً ومَن هو مستمرٌّ في العطاء كالأعلامِ الذين تَوالوا على تسيير المَجامعِ، فنحنُ نُجلُّهم جميعاً دون استثناء؛ لكنّ ذلك لا يعني أنهم شَخَّصوا الأعراضَ والأمراضَ وقاموا بعلاجها وإزالتها والتخلص منها. فلو كانتْ أعمالُهم ذاتَ أثر بالغ في مجتمعاتنا ومدارسنا وجامعاتنا ومجامعنا لكان وضعُ اللغة على أحسنِ ما يرامُ من حال، ولكُنّا آمنين مُطمئنين على وَضْعِنا من الاستغراب والتّغرب، لكن أمر التبعية اللغوية (إذا صح التعبير) ما يزال قائما حتى يومنا هذا وما زلْنا عاجزين عن إحداثِ تغييراتٍ ثورية جذرية تُذكَر في مجال اللغة. ولَن نستطيع بُلوغَ الهدف الكَبير المشترك إلاّ بتوحيدِ جُهودِ المَجامعِ قاطبةً، وبغير التّوحيدِ لَن تقومَ للمجامعِ قائمةٌ.

والجوابُ عن اعتراضِ المُعترضِ أنّ ما ذكرْناه في حقِّ المَجمعيّينَ أعلاه، لم يَكُنْ مَدحاً لهم وثناءً، لمجرّد المَدحِ والثّناءِ، فإنّ ما يُمكنُ أن يُقالَ في حقّهِم من مزايا وصفاتِ العَمَلِ الدّؤوبِ لا يُعدّ مدحاً، ولكنّه وصفٌ للواقع، وأنّ العلماءَ في حاجَةٍ إلى تشجيع، وإلى مَن يسمعُ عنهُم ويُبلّغُ علمَهُم وينشرُه و يُمكّن لَه ويُمدّه بأسبابِ الحياةِ و الانتعاش. أقول هذا الكلامَ بشيءٍ من الحُرقَة والمَرارة لأنّ كثيراً من العلماء الأجلاّءِ يمضونَ أو يقضون نحبَهم في صمتٍ، لا يعلَم بحالِهم أحدٌ إلا مَن يُكابِد آلامَ الأمّة ويتطلّعُ إلى آمالِها. وأتذكّرُ وأنا أكتب هذه الأسطرَ المتواضعةَ حواراً جرى في قناةٍ فضائيّةٍ مغربيّة بين مسيّر برنامَج رسميّ يمثّل الجهةَ الإعلاميّةَ الرّسميّةَ في البلادِ، وبينَ أحد كبارِ عُلماءِ اللغة وهو شيخ اللغويين، ومبتكر المَحارِف الطّباعيّة العربيّة وعضو أكاديمية المملكة، ومديرُ معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب والمُسْهِمُ في توحيد المصطلحات المعرّبَة في الميادين المختلفة، الأستاذ أحمدَ الأخضر غَزال، الذي تُوُفّيَ منذ أربَعةِ أعوامٍ، رحمَةُ الله عليْه. لم يتورّعْ مُقدّمُ البرنامج من أن يسألَ الأستاذَ بشيءٍ من السّخريّة، عن دورِ معهد الدّراسات والأبحاث للتعريب، الذي مقرّه بالرّباطِ، في نَشر المصطلحاتِ و تغيير واقع البلاد العربيّة من الناحية اللغويّة؛ فقَد سأله: ماذا فعلَ المعهدُ مدّة عشراتِ السنينَ؟ وكأنّ سؤالَه الاستخفافيّ تعجيزٌ له وتحدٍّ، وما كان من الأستاذ الأخضر غزال إلاّ أن بادَرَه بالجوابِ: إنّ على العلماءِ أن يُفكّروا لمصلحةِ الأمّة ويُنجزوا البحوثَ والتّوصياتِ المناسِبَة ويشتغلوا في إنجازِ المشاريع المعجميّة والاصطلاحيّة الكبرى التي تنهضُ بالشأن اللغويّ، أمّا بعدَ ذلِك فيبقى لأصحاب القرار أن ينفذوا الأعمالَ بالدّعمِ الماليّ والرّعايَةِ السّاميةِ التي تُنزّلُ الشّأنَ اللغويَّ في البلادِ منزلَتَه التي يستحقُّها؛ فالمعهد والمجامعُ جهاتٌ علميّة فكريّة لو أتيحَت لها وسائل العملِ المتواصل والتّنسيق بين الأقطارِ وأعطِيَت سلطةً علميّةً عاليةً لظهرَ اثرُها الذي ننعاه عليْها ههنا. فلا شكّ في أهمّيةِ اعتراضِ المُعترضِ، ولكن تشخيصَ الواقع العربيّ، ومنه الشأن اللغويّ، بهذه الصّورَة القاتِمَة التي هي بالفعلِ صورةٌ واقعيّةٌ، لا ينبغي أن يقفَ بنا عندَ هذا الحدّ، فكلّ مواطنٍ من أفراد هذا الوطنِ الكبير مُطالَبٌ بإلحاحٍ أن يبذلَ ما في وُسْعِه وأن يستفْرِغَ جُهدَه لإصلاحِ الخلل و الإسهام بِما أوتِيَ، لسدّ الفجوةِ ومُعالَجَة الدّاءِ، و أمّا إذا اكتفيْنا بنعْيِ الميّتِ وندْبِه فلنْ نبْرَحَ عاكفينَ في مَكاننا ولبقِيَ الوضعُ المَريضُ على حالِه .

(2)
لا شكّ أنّ كلَّ واحدٍ منّا يملك طاقاتٍ علميّة ونفسيّة واجتماعيّة هائلةً، وله قُدرةٌ على تسخيرِ هذه الطّاقاتِ لفائدةِ أمّتِه، نَعَم، يُمكن الاعتراضُ على هذا الاقْتِراحِ بأنّ العبرَةَ بتوحيد الجُهودِ قبلَ الدّفعِ بِها، ولكنّ الجوابَ: هل يقف الإنسانُ مُقيّدَ الأيدي في انتظارِ المنشودِ الذي قدْ يأتي أو قد يطولُ غيابُه؟ ولكن الوَضْعَ المُزريَ لَم يدُمْ؛ فقَد ظهَرَت اليومَ طرقٌ حديثةٌ ناجعةٌ فَعّالٌ انبَثَقَت من الحاجةِ الشّديدَةِ إلى الإصلاحِ والتّصحيحِ والتّمكينِ للسانِ العربيّ الكَريم، ومن أجلِ الخُروجِ من النّفقِ المُظلِمِ الذي سُجِنَت فيه المَجامعُ اللّغويّةُ المألوفَةُ عَشراتِ السّنينَ، في العالَم العربيّ. أجلى الطّرقِ وأبرزُها التّفكيرُ في إنشاءِ مَجامعَ لغويّةٍ عربيّةٍ على الشّبكةِ العالميّةِ، مواكبةً لتطوّرِ وَسائلِ نشرِ العلمِ وخدمةِ قَضايا الأمّةِ، واستثماراً لأدواتِ العصرِ في نشرِ العلمِ وتَداولِه وسرعَةِ تَوْصيلِه وتَمكينِ النّاسِ من الإفادةِ منه، فلقَد أصبحت اللغةُ العربيّةُ اليومَ، وأكثر من أيّ وقت مضى، مدعُوّةً بإلحاحٍ إلى الانخراطِ في الشّبَكة العالميّة التي تُؤلِّفُ موسوعةً ثقافيةً وتعليميةً لجميع مجالات الحَياةِ وبكثيرٍ من اللغات الكونيّة, وبانخِراطِ العربيّةِ في الشبكَةِ نُشرت أعدادٌ كبيرةٌ من الكُتب العربيةِ أو المترجَمَة إلى العربيّةِ، وأنشِئت مَكتباتٌ رقميةٌ عربيّةٌ، فَغَدا الوُصولُ إلى المَعْلومةِ باللغةِ العربيّةِ في جَميعِ المَيادينِ أمراً سَريعاً وميْسوراً، ومعَ ذلِكَ ما زالَ يُلاحَظُ ضعفُ المُحتوى العَربيّ في الشبكَة، حيثُ إن الإحصاءاتِ تُشيرُ إلى أنّ نسبةَ المُحْتَوى الرّقميَّ للغة العربية ضعيفٌ.

ولكنّ هذا الوضعَ لَن يلبَثَ عَلى حالِه وسيشهَدُ انتقالاً وتحوُّلاً لفائدَةِ اللّغةِ العربيّة، وذلِك بفضلِ بعضِ المُبادراتِ الجادّةِ التي أنشِئَت لتقويةِ المُحْتوى العَربيّ الرقميّ ولدَعْمِ التّنمية والتّحوُّل من مستوى المجتمع التقليدي إلى مُسْتَوى المجتمع المعرفي، مع الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية، وهكذا فَقَد أتت مبادرةُ إنشاء مجمَعٍ للغة العربيّة على الشّبكَة العالَميّة الذي مقرُّه ومَركزُه مكّةُ المكرّمةُ أمُّ القُرى، خطوةً سديدةً وواعدةً من الدّكتور
عبد العزيز بن عليّ الحربي في طريقِ إسنادِ العربيّةِ ودعمها وتقويَةِ وجودِها بين اللغاتِ وفي وسطِ عَواصفِ التّحدّياتِ، وتثبيتِ أركانِها وذلِك بتصحيحِ أوضاعِها وإحياءِ رَصيدِها وتطويرِ قدراتِها وتقريبِها إلى متناولِ متعلّميها وتيسيرِ سُبُل التّواصُلِ بها. فَقَد فكّرَ رئيسُ المَجمَع مع فريقٍ من المُخلصينَ للسان العربي المُبين والدّاعمينَ له مادياً ومعنوياً، في إنشاءِ هذه الوَسيلةِ الرّائدَة، ووَضعوا هندسَةَ هذا المجمَعِ الرّائدِ الواعِد، واجتَمَعَ على إقامةِ هذا المعمارِ والصّرحِ العلميّ المَشيدِ هيئةٌ من المُسيّرينَ الإداريّينَ وثلةٌ من العلَماءِ الأعضاءِ والمُشارِكين من العالَم العربيّ والإسْلاميّ، وذلِكَ للنّهوضِ بهذا المَشْروعِ الضّخمِ، حتّى يتحقّقَ المَقصودُ. والملحوظُ أنّه في وقتٍ وَجيزٍ استَطاعَ المَجْمعُ اللغويّ على الشّبكةِ العالميّةِ أن يُؤتي ثمارَه من المُنجَزاتِ العلميّةِ الكثيرةِ، وذلِك بفضلِ إنشاءِ موقعٍ ومنتدىً، تَستوعبُ أركانُه مَقالاتِ الأعضاءِ، وتُجيبُ عن أسئلةِ السائلينَ في قَضايا اللغةِ العربيّةِ وعُلومها، وتُصدرُ القراراتِ والتّنبيهاتِ والتوصياتِ، وتُشجّعُ على المناقَشاتِ والمُشارَكاتِ المُختلفَة…… ناهيكَ عن إحداثِ مَجلّةٍ أكاديميّةٍ للمَجمَعِ ناطقةٍ بلسانه وناشرةٍ لعُلومه وفُنونه ومُنجَزاتِه وأخبارِه ومسطّرةٍ لأهدافِه ومَقاصدِه،ومُستشرفةٍ لآفاقِه وتطلّعاتِه، وتَنزيلِ عشراتِ المؤلّفاتِ والكتُبِ القَديمَةِ والحَديثَةِ في فُنونِ المَعرِفَةِ واصنافِ الثّقافَةِ اللغويّةِ واللّسانيّةِ، ممّا لا يجدُ منه المتخصّصُ بدّاً ، وينتفعُ منها غيرُ المتخصّص أيضاً.

لقد هتمَّ كثيرٌ من أئمّة النّحويّينَ قديماً بِوَضْعِ مُختصَراتٍ تأخذُ بأيدي النّاشئةِ في طَريقِ تعلّمِ الإعْرابِ وقَواعِدِ النَّحْو، عِنْدَما أحسّوا بِفُشُوِّ اللَّحْنِ و بُدُوِّ الضّعفِ وضَياعِ هِمَمِ التّعلُّمِ، ثُمَّ يُضافُ إلى ذلِك ما عَرَفَه النَّحْوُ مِن تَعَدّدِ الآراءِ واخْتِلافِها والإغْراقِ في التّأويلِ والتَّعْليلِ و التَّقْديرِ، والإكْثارِ مِنَ الطّولِ المُفْرِطِ الناشئ عَنِ التَّكرارِ والاسْتطرادِ و الحَشوِ و الفُضولِ، ومُعالجَةِ المَسائلِ الأجنبيةِ التي لا صِلَةَ لَها بالنَّحوِ، فَضلاً عَن الشَّغَفِ بالمُناقَشاتِ والجَدَلِ، والمُبالَغَةِ في تتبُّع العِللِ، والإكثارِ مِنَ التَّقسيمِ والتَّفريع، ومِنْ كُتبِ النّحوِ ما يتعذّرُ استيعابُه على الدّارسينَ المُتَخصّصينَ أنفُسِهِم؛ وذلِك لامْتِلائها بالحَشوِ، أو كَما قالَ ابنُ مَضاء القُرطبُيّ «بالمُماحَكاتِ و التَّخْييلِ»، ففيها حُشودٌ من المُجادَلاتِ الذّهنيّةِ العَقيمةِ وألوانٌ من العِلَلِ و العَوامِلِ التي يُسوِّغُها منطِقُ العَقلِ لا مَنْطِقُ اللّغةِ.

وعليه فقَد حانَ الانتقالُ من الاعتمادِ المُطلَقِ الأوحَدِ لمؤلّفاتٍ ومطبوعاتٍ في تيسيرِ النّحو وتمكين اللغةِ العربيّة من مُتَناوَل مُتعلِّميها والنّاطقينَ بها ، إلى اعتمادِ وسائلِ التّيسيرِ عبرَ الشّبكَة وعلى رأس الوَسائلِ إنشاءُ مجمَعٍ لغويّ أكاديميّ مسؤولٍ مُعترفٍ به يستجيبُ لحاجاتِ التعليم في سياقِ عصرِ التقنياتِ وتوصيلِ المَعْلومَةِ بالطّرقِ السّريعةِ .

إنّ مَجمَعَ اللغةِ العربيّة على الشّبكةِ العالميّةِ، برئيسه وفريقِ عَمَلِه، ممّن بَنى صرحَه ووضعَ لبِناتِه، وجمعَ شملَ أعضائه وفكّرَ في شأنِ رعايته المادّيةِ ودَعْمه حتّى يُؤتيَ ثمارَه. قَد أدركَ ما أصابَ المَجامعَ من عجزٍ عن نشرِ مُنجزاتِ علمائها وتنزيلِها على واقعِ الأمّةِ، فبادَرَ إلى تدبيرِ شأنِ فكرةِ المَجْمَعِ بإخْراجِه من حيّزِ المؤسّساتِ البطيئةِ الحَرَكةِ إلى حيّزِ المؤسساتِ الافتراضيّةِ السّريعةِ الحَرَكةِ التي تضمنُ تواصُلاً عريضاً وسُرعةً في التبليغِ والإنفاذِ والإنجازِ والاستشاراتِ، مُستفيداً من التّطوّرِ الحاصلِ في ميدانِ الوسائطِ التذفاعليّةِ المتعدّدةِ التي يُرجى أن تتحقّقَ بِها رسالَةُ المجمعِ الحضاريّةُ المنشودَةُ بإذنِ الله تَعالى.

ويبدو -على نحو ما تفضّلَ بذكْرِه سَعادةُ رئيسِ المَجْمَع في العدد الأوّل من مجلّة المَجْمَع – أنّ الاتّصالَ الواسع العريضَ بين العلماء اللغويين الباحثين وبين الطّلاّب والسائلينَ أصبَحَ متيسِّراً وعمَّ وانتشَرَ وأسرَعَت خُطاه واختصَرَ الزّمَنَ ، وازادُ القربُ بين الطّرفَيْن وضاقَت الهوّةُ ، وكلّما اقترَبَ العُلماءُ من أمتهم بهذه الطّرق السّيارَةِ والوَسائلِ السّريعَة، تحقّق النّفعُ في أوانه ومَكانه وحقّقَ أغراضَه المرجوّة في حلّ مُشكلات التعليم المتجدّدة ، فقد أصيبَت الأمّةُ العربيّةُ الإسلاميّةِ بنكساتٍ شاملةٍ، ومنها النّكسةُ اللغويّةُ، ولكن باتَ أمرُ مُعالجةِ أعطابِ اللسانِ ونشرِ علوم العربيّة وتيسيرِها وتنقيتِها والانتقاءِ منها، وتَنزيلِ مَصادرِها، قريباً وفي المُتَناوَل بفضل الله ثمّ بفضل جُهود المَجْمَع على الشّبكَة الذي عزمَ على خدمةِ اللسانِ وأهلِه وإحياءِ علومِه وفُنونه ، غايةً لا يحجُبُها استغراقُ أزمنةٍ أو بُعدُ أمكنةٍ ولا تكاليفُ مراسَلاتٍ ، فهذا التّيسيرُ الشَّبكيّ رأسُ مظاهرِ التّيسيرِ ،
وهو الذي شجّعَ العلماءَ على التّواصُل والتّحاورِ مع اهل البحثِ والطّلَبِ

لا يوجد ردود

خطاب المدوّنَة : مدوّنَة المرأة المغربيّة

أغسطس
14

مدونة المرأة

نَصَّت المُدوّنَةُ على حُرّيةِ المرأةِ المغربيّةِ، في ظَواهِرِ الأمورِ وقُشورِها، وبقِيَت المرأةُ في العُمقِ أسيرةَ الظّلمِ والاستعْبادِ، وكُلَّما اقْترَبَتْ من شِباكِ المُجتمَعِ التّقليديّ، غُلّتْ بِها؛ وكُلَّما اقْتَرَبْتَ أنتَ منها سمِعْتَ أنينَها الصّامتَ وألَمَها الدَّفينَ، فلَم تَقْوَ المدوَّنَةُ على تَحريرِ المرأةِ التّحْريرَ الكَريمَ، ولكنّها جَرّدتْها من لِباسِ التّقوى ورِداءِ الحَياءِ. ورَمَت بها في هوةٍ سَحيقةٍ من الامتهانِ التّجاريّ والاقتصاديّ، واستغلّتْها في تَزيين الواجهات وأثاثِ المؤسّساتِ والوزاراتِ ، وزايَدَت عليها الأحزابُ فتَبادَل المتحزِّبونَ السبابَ والشتائمَ لأنّ الواحدَ منهم لم يُرشّحْ العَدَد الكبيرَ من النساءِ وكأنّ المسألَة بالأعدادِ ، فأدركْنا بما لا يَدَعُ مجالاً للشّكّ أنّ المرأة المغربيّة لا تملكُ من حريتِها بعدُ شيئاً ،وأقصدُ بالحريّة المسؤوليّةَ المُحترَمَة والحُقوقَ الكريمَةَ، من غير أن تُهانَ في وسائلِ الإعلامِ وفي المسلسلات والإشهاراتِ وتُتّخَذَ وسيلةً لجني الربح، مثلَما اتُّخِت بالأمس وسيلةً وهي رَهينةُ المَحابسِ

لا يوجد ردود

الشخصيّةُ المغربيّة من خلالِ بعضِ القَنواتِ الوطنيّةِ

أغسطس
11

111
الشخصيّةُ المغربيّة من خلالِ بعضِ القَنواتِ الوطنيّةِ
دأبَت بعضُ القَنوات التلفزيّة المغربيّة على تَقديم مسلسلات وأشرطةٍ كثيرةٍ أنتَجها مُنتجونَ مغاربةٌ، قد يصلُ أمرُ اعتزازِ الإعلام التّلفزيّ بها إلى حدّ تَكْرارها مرّات كثيرةً طيلةَ السّنةِ بدَعْوى أنّها نتاجٌ مغربيّ أصيلٌ غيرُ مُستنْسَخٍ ولا مَنقولٍ، وتشتركُ هذه المسلسلاتُ والأشرطةُ في تصويرِ المَغاربةِ، في حقبةٍ من التّاريخِ، رجالاً ونساءً وأطفالاً، شعباً متخلّفاً خَرَجَ من كُهوفِ العُصورِ البائدَةِ، ويَسْبحُ في ظلُماتِ الخُرافات والوثنيّة، ولا يتورّعُ عن التّمسّح بأعتابِ الأولياءِ والأضرحة، شَعباً سعيداً بجَهْلِه راضياً بذلِّه قابعاً في زَوايا النّسيانِ وعلى هامشِ الزّمَن، وبالجُملةِ فالمَغاربَة يَظهرونَ في التّلفزةِ في الزّمَن الماضي جَماعاتٍ من المُعاقينَ عقلياً، لايُحسنونَ تفكيراً ولا حواراً ولا عملاً ولا مُعاملةً ولا مُعاشرةً اجتماعيّةً، كلّما انفرَدَ الفردُ منهم أو خَلا بنفسِه لم يُفكّرْ إلاّ في سوءٍ ولم يهُمّ إلاّ بسوءٍ، يُدبِّرُ المَكائدَ ويتربّصُ بخُصومِه الدّوائرَ، وهذه صورٌ تُرضي الأجنبيَّ وتُسيلُ لُعابَه وهو ينظرُ -من خلالِ هذا النّتاجِ التّلفزيّ- إلى نماذجَ بشريّةٍ تستحقُّ أن توضَعَ في متحفِ التّاريخِ ليتَسلّى بها السّائحُ الأجنبيُّ فتنتعش السياَحَةُ والإعْلامُ ويَرْضى “الآخَرُ” عن بَلَدنا.

وما يليثُ البثُّ أن يَنقطعَ ليُفْسَحَ المَجالُ لفاصلٍ إشهاريٍّ يبدو فيه المغربيُّ كما بَدا في الأشرطَةِ والسَّلاسلِ لا ينفكُّ عن آثارِ البَداوَةِ والضَّعَةِ، ولم تبلُغْه بعدُ حضارَةُ القَرن، يُخرجُ من قبِّ جلبابِه هاتفاً محمولاً وهو يَطيرُ فرحاً بما أسْداه إليه الأجنبيّ المُتحضّرُ، من خدمة الاتّصالاتِ بالعالَم الخارِجيّ، فأنقَذَه من الانغلاقِ وقصورِ النّظرِ والفَقْرِ والتّخلُّفِ، أو يَظهرُ المغربيُّ في إشهارٍ آخَرَ ساذجاً تَستهويه السلعةُ الرخيصَةُ ذاتُ المتعةِ العابرةِ، وتستخفُّه أصواتُ المُشهِرينَ وأصحابِ الدّعايَةِ فيُطيعُها، كما استخفَّ فرعونُ قومَه فأطاعوه.

ثمّ يعود البثُّ وتَعود أمراضُ المجتمع المغربيّ وعُقَده النّفسيّةُ إلى أن يصلَ العَرْضُ إلى نهايتِه. ولَقَد تَنافسَ مجموعةٌ من المُنتجين والمُخرجينَ على إنتاجِ هذا الضّربِ من العُروضِ المُسيئةِ ظنّأً منهم أنّها تصوّرُ المَغربَ والمَغاربةَ في حقبةٍ من تاريخهم، والحقيقَةُ أنّ تَهافُتَ هؤلاءِ المُنتجينَ على تَقديمِ هذه البَرامجِ الرّديئةِ وتصويرِ المَغاربةِ شعباً بدائياً يتخبّطُ في جاهليتِه، لا يُفسِّرُونَه إلاّ بتفسيرٍ واحدٍ إذ يزعُمونَ أنّ تلك العاداتِ والتّقاليدَ التي يُمارسُها المَغاربةُ، وأغلبُها وثنياتٌ وخُرافاتٌ وشعوذةٌ، ليسَت إلاّ ثقافةً أصيلةً وخُصوصيّةً من خُصوصياتِ المُجتمَع المغربيّ وُجِدَت قبل دُخولِ الإسلام، وينبغي إحياؤُها وإنعاشُها ورعايتُها لأنّها من مُقوِّماتِ «الشّخصيّة المغربيّة»، والحقيقَةُ أنّ هذه المسلسلاتِ والأشرطةَ تُسهمُ في تقديم الشخصيّة المغربيّةِ شخصيّةً مريضةً بها أعطابٌ نفسيّةٌ وكُتلٌ من العُقَدِ والانحرافاتِ، وقد وهموا وأساؤوا عندَما اعتقَدوا أنّهُم يُقدّمونَ الواقعَ كما هو، ولم يعلموا أنّهم يُثَبِّتونَ واقعاً مريضاً أو ينشرونَ رداءةً خُلقيّةً وفكريةً وتفكّكاً اجتماعياً.

وإذا ما انتقَلَ أصحابُ الحَلِّ والعَقْد الإعلاميِّ وأولو البثِّ والإنتاجِ التلفزيّ إلى تصويرِ الواقعِ الاجتماعيّ المغربي المُعاصرِ أو تَزويدِ المُواطنِ “بالفوائدِ والمَنافعِ” و”الممتعِ والنّافِعِ” من مَغْرِبِ اليومِ فلا يجدون في يومِ المَغرِبِ إلاّ “رقصات شعبويةً” تبعثُ على الغثيان وتُصوِّرهم على هيئَةِ مَجانينَ يقفزون على ضربات الطبولِ وعزفِ المَزاميرِ وقد تصببوا عرَقاً وانتفَخَت أوداجهُم وهم مُختلطون رجالاً ونساءً في أوضاعٍ ملتبسة مُتَداخلةٍ والأضواءُ المُلوَّنَةُ تُشعلُ أجسامَهم وتَفورُ منها قُدورُ أفواههم والجمهورُ المُغفّلُ يُصفقُ على إيقاعِ الطّربِ، وأنت إذا تأملتَ هذه المَشاهدَ المَهينَةَ عجبْتَ من أمرِ الناسِ وقُلْتَ أهؤلاءِ هم المَغاربةُ؟ كيفَ يهنأ لهم البالُ وتُحوّلُهم خشباتُ الغناءِ والرقصِ إلى شعبٍ بلا ذاكرةٍ ومن غيْرِ حسٍّ ولا وجدانٍ، تقولُ هذا وأنت تنظرُ إليهم بعيْنٍ وتُلقي بالأخرى على المحنِ التي يُكابدُها أهلُ مصرَ والشّام، وتتساءَلُ أهؤلاءِ مُنَّ عليْهم بالفَرَح والحُبورِ وابتُلِيَ غيرُهم بالقَرْحِ والحُروبِ.

ثمّ يأتي حينٌ من الزّمنِ على الإعلامِ التلفزيّ المَريضِ “فيُمتعُ” المُواطنَ بالفُكاهياتِ ويروحُ عنه ممّا به من سآمةٍ وملل، فإذا بك أمامَ مشاهدَ هزليّةٍ هَزيلةٍ يُفتَعَلُ فيها الإضحاكُ افتعالاً وتسمعُ قوماً مُفتَرَضينَ يضحكونَ، من أجل إثارَة المُشاهدينَ واستخراجِ الضّحكِ منهم قَسْراً، أمّا هؤلاءِ المُشاهدونَ الذينَ يَجْلسونَ امامَ الشاشاتِ مَشدودينَ مَشدوهينَ فقَد أسلَموا عنانَهُم وأسلَسوا قيادَهُم وانتَظروا هذاالمَخْبوءَ المُضحِكَ أو المُفاجئَ المُربِكَ، فلَم يجدونَ شيئاً بَل وَجَدوا سراباً ويباباً وأرضاً خَراباً، بَل وجدوا مُمثّلينَ وممثّلاتٍ أصابَ عظامَهُم الوَهن وعُقولَهم الخَرفُ ونُفوسَهُم التّخنُّثُ، وظنوا أنهم يُواصلونَ أداءَ رسالتِهم الفنّيةِ ولا يَدرونَ أنّهم انتَقَلوا إلى إسفافٍ وسوءِ حالٍ، وما أمرُهُم إلاّ إلى زَوالٍ.

ثمّ تُفاجئُ التلفزةُ المُشاهدَ بفنٍّ آخَر مُجتَلَبٍ ممّا وراءَ البحارِ وهو فنّ العَدَسةِ الخَفيّة، فنّ لم يُحسنِ المُنتجونَ المَغاربةُ تَصريفَه إلى المُواطنِ فأساؤوا إلي الفنّ والمُواطنِ، ناهيكَ عمّا وُجّه إلى هذا “الفنّ المغربيّ” من نقدٍ واتّهامٍ بالصّنعَةِ والتّصنُّعِ، والبُعدِ عن الطّبعِ والتّطبُّعِ، فَكَم من ضَحايا كانوا على علم سابق بما سَيحيقُ بهم من مَكرٍ سيّء، ليسَ لأنّ الجَلاّدَ أخبرَ الضّحيّةَ ولكنّ الضّحيّةَ تكتشفُ بطريقة ما، ما حيكَ لَها من مَصيرٍ، وتستمرُّ الضّحيّةُ في أداءِ التّمثيلِ راضيةً مستسلمةً للجَلاّدِ، أمّا إن كانَت العدسةُ الخفيّةُ من نوع العَدساتِ المُفاجئةِ التي تُباغتُ المُواطنَ في الشّارِعِ بالمَقالبِ، فإنّ هذه نفسَها قَد مُنِيَت في التّلفزةِ المغربيّةِ بالهَزيمَةِ والفَشَلِ؛ إذ كان كثيرٌ من المُنتَظَرِ سُقوطُهم ضَحايا، يَرفضونَ عرْضَ هذه المواقفِ على الشاشاتِ على حسابِهم و لا يَرْضَونَ بالظّهورِ في تلك الأوضاعِ المُضحكةِ السّاذجَةِ التي تقتنصُها التلفزةُ لإضحاكِ الجُمهورِ على حسابِ الضَّحايا، وكأنّ المواطنينَ المَغاربةَ تحكمهم عَلاقاتُ الاستهزاءِ والوَقيعَةِ والشّماتَة، أضفْ إلى ذلِك أنّ كثيراً من عُروضِ هذه العَدساتِ الخفيّةِ السّاقطَةِ أساءَت إلى أخلاقِ المواطنينَ، إذ لم يتورّعْ أصحابُها من تَرْويعِ الآمنينَ من الرجالِ والنساءِ والعَجَزَةِ والبُسَطاءِ، وإثارَة مَشاعرِ الهَلَعِ والجَزَعِ في نُفوسهِم وتَوْريطهم في مَقالبَ ومَصائدَ، وبثّ الرّعبِ في نُفوسهِم، رُعْب لا يُداوي جِراحَه إطلاعُ الضّحيّةِ على الخدعةِ في آخرِ المشهدِ.

فَهل تُعدُّ هذه المَساوئُ الإعلاميّةُ التي ترسُمُ للمُواطنِ المغربيّ صورةً شائهةً في خَيالِ المُشاهدينَ، أمراً مألوفاً لا غَضاضةَ فيه، ولا يخدشُ الأخلاقَ ؟ ولا عبْرَةَ ههنا بما سمَّوْه “بلَجْنة الأخْلاقيات” المُحْدثَةِ بالشّركة الوَطنية للإذاعة والتلفزة والقَناة الثانية، حسبَ ما تنصُّ عليه دفاترُ تَحمُّلاتِهم الجديدةِ التي أحدثوها لمراقَبَةِ قَنواتِ القُطبِ العُموميّ، في تَقويمِ بَرامج تَلفزة رمضان. لأنّ لجنة “الأخلاقِ الحَميدَة” لم تمنع الغُثاءَ من المُرورِ إلى المُشاهدِ المُستهلِك، وزعَمَت اللّجنةُ الأخلاقيّةُ -بعد أن فَرغت التلفزَةُ من بثِّ غُثائها، أنّها ستُكبُّ على مُدارسة جَميع النّتاجِ التّلفزيّ الرّمضانيّ الذي قُدّمَ في شهرِ رمضان المُتصرّم، والمُوازنةِ بينها وبين نتاجِ السنةِ الماضي الرّمضانيّ، في ضوءِ النقْدِ المُوجّه إلى التّلفَزَة والحُكمِ عليْها بالرّداءَة، من أجل استخلاصِ العِبْرَةِ، للمُستقْبَل..

أقولُ: لا عبْرَةَ بتقْويمِ لجنة الأخلاق لأنّها لو كانَت لجنةً أخلاقيّةً تحرصُ وتسهرُ على قيم الأخلاقِ في بَرامج التلفزَةِ، بالمَعْنى الصّحيحِ، لَما تَرَكَت غُثاءَ السيلِ يَسيلُ من القَنواتِ الوطنيّةِ إلى عُقولِ المُستهلِكينَ، ولَمَنَعتْه بحُكمِ وظيفتها وسُلطتِها في حمايةِ الأمنِ الأخلاقيّ. عَجَباً للتصوُّر الجديدِ للشأن الأخلاقيّ في هذا البَلَد، كيفَ تحوَّلَ وأصابَه المَسْخُ والسّلخُ والنّسخُ، إذ أصبحَت الأخلاقُ أن تحترِمَ فَسادَ المُفسِدينَ ورَداءَةَ التافِهينَ وهي تَجْري على الشاشاتِ، ولا يعترضُ عليْها مسؤولٌ من مَسؤولي الإعْلامِ بدَعْوى حريةِ الإعْلامِ وحريةِ التّعبيرِ وحريةِ الكَلِمَة، وهُم يعلَمون أنّ كثيراً من مُقدِّمي البَرامجِ يهذونَ ويهرفون بما لا يعرِفونَ ويَتطاوَلون على عُقول المُشاهدينَ كَما يَتطاولُ رِعاءُ الشاءِ في البُنْيانِ، فكلُّ مَن هبّ ودبَّ وجَدَ له حيزاً في التلفزةِ الوطنيّةِ بدَعْوى التّشبيبِ والتّحديثِ والتّجديدِ ، أين حُماةُ أخلاقِ الأمّةِ، أيْنَ رأيُ العُلَماءِ في لجنةِ الأخلاقِ نفْسِها، أيْنَ الرُّقَباءُ الفنّيونَ والتّقنيونَ واللغويونَ، أيْنَ ذلِك الجَيْشُ الكَريمُ من الجُنودِ العاملين خلَفَ العَدَساتِ السّاهرينَ على تنقيَة النَّتاجِ وتصفيَتِه قَبْلَ أن يُبثَّ على أمواجِ الهَواءِ ؟

فإن قالَ قائلٌ – وَقَد قيلَ- «إنّ المسؤولَ عن كلّ هذا وَزيرُ الإعلام… وفي الحالة التي ذَكرتَ، ففي الاستقالةِ من مهامِّ وزارةِ الإعلامِ سلامتُه… كيفَ نُشاهدُ المنكرَ و نَسكتُ عليه ونظل على الكُرسيّ الوثير مُتَفَرّجينَ؟..»
قلنا لَه: كَيفَ تُفسرُ مَسرحيةَ انْسحابِ جَيشٍ من وُزراء الحزبِ المُنسحبِ، وكيفَ تُفسرُ العراقيلَ التي توضعُ في طريق الحُكومَة اليومَ؟ وكَيفَ تُفسرُ التّشويشَ الذي يتَعَمّدُه الخُصومُ ويفتعلونَه لإرباكِ سيْرِها؟ وكيفَ تُفسرُ التّقليلَ من قيمة المُنجَزاتِ وسياسةَ الاستهجان والتّنقيصِ والاحتقارِ؟ وكيف تُفسر المُفاجَآت التي تُباغتُنا بين الفينَةِ والأخرى ممّا اصطَلَحَ عليه ساسَةُ العالَم بالدّولة العَميقَة أو حُكومَة الظّلّ التي تُديرُ الشأنَ العامّ بالإيحاءِ والتأثيرِ والتّسرُّبِ من المَنافذِ والثّغورِ، فتضربُ بعرضِ الحائط كلَّ مُنجزات الحُكومة، حتى أصْبَحَ أهلُ الحُكومةِ والبَرلمان لا حول لهم ولا قوة، يُدافعونَ تياراً أقْوى منهُم فيسقُطونَ ويَقومونَ؟ فإنْ قلتَ أيُّها المُعترِضُ: إنّ عليهم أنْ يَستَقيلوا، قلتُ: ستنهارُ باستقالتهم الجَماعيّةِ الدولَةُ كلُّها وتُلْصَقُ مسؤوليةُ الانهيارِ بهم، فهُم أمامَ وَضعَيْن أحْلاهُما مرٌّ، غيرَ أنّ مرارَةَ الانسحابِ أدْهى وأمَرُّ من العلقَمِ لأنّها تنتهي بالانهيارِ، وليسَ انهيارُها في مَصْلَحةِ أحدٍ، لا المُوالي ولا المُعارضِ ولا المُعْترِضِ، لأنّ السّفينَةَ تُقلُّ الجَميعَ، فالوَضع أخطر وأكبرُ ممّا تظنُّ أيّها المُعترضُ.

وهكذا فإنّ هؤلاءِ المنتجين والمُخرجين والمَسؤولينَ التلفزيّينَ لم يَرْعَووا ولم يَكفّوا عن إلحاقِ الأذى بالشخصيّة المغربيّةِ والإسهامِ في فكّ عُرى المجتمعِ المغربيّ وإبْعاده عن مُقوّماتِه التي كانَ بها نُهوضُه وتطوُّرُه وتجاوزُه لمرحلةِ الاستعمارِ البَغيض، فماذا قدّمَ الإعلامُ المرئيُّ المَسموعُ للمُواطنِ غير الهَمّ والنّكَدِ، فَصَرَفَه إلى قنواتٍ أجنبيّةٍ أخرى بحثاً عن الفائدَة المَفْقودَة في بَلَده، وهروباً من بَرامج ارتجالٍ ورَداءَةٍ وإسْفافٍ تُفْضي إلى مَشاعرِ سأمٍ وضيقٍ وإحباطٍ؛ فلا تجدُ حبكاً فنياً ولا مواضيعَ تستأثرُ بالاهتمام ولا بَرامجَ ثقافيّةً تُبدّد جَهلَ المواطنِ وتزيدُه اطّلاعاً وعلماً، وإنّما هي شركاتُ إنتاج تجني الأموالَ وتحتكرُ الأعمالَ.

ونرجو أن يكونَ في تحرُّك بعض الهمم من الجَمعياتِ ومنظّماتِ المجتَمَع المَدنيّ مَن يُنقذُ الموقفَ من الانهيارِ؛ وفي هذا السّياقِ بَدأت تَستيقظُ بعضُ الهمم لتَدارُك الأزمَة، منها تَوقيعُ وزارة الاتّصال اتفاقياتٍ مع جَمعيات مَغربية لحِماية حُقوقِ المُشاهدِ، وأهمُّ ما في الاتفاقِ إحداثُ مَرصدٍ وَطنيّ لحقوق المشاهد، ونَرجو أن يدخُلَ من أهدافِ المرصدِ وغاياتِه، تغييرُ الصّورة النّمطيّةِ المشوّهَة التي رُسِمَت عن المواطن المغربيّ في التلفزةِ، وتقديمُ ثقافةٍ إعلاميّةٍ نافعةٍ تُسهمُ في بناءِ الشّخصيّةِ وإدماجِ المواطنين وتوعيتهم وتثقيفهِم حتّى يستردّوا الثّقةَ في الإعلامِ الوَطنيّ

لا يوجد ردود

هل استنْفدَ الأدبُ العربيّ مُعْجَمَ اللّسانِ كلَّه ؟

أغسطس
11


ترى، أ ستنْفَدَ الأدبُ العربيّ في كلّ عصرٍ أو في عصرٍ مّا من عُصورِه، جَميعَ ما وَرَدَ في لسان العربِ من ألفاظٍ وأساليبَ وصُورٍ، أم لم يَستعملْ من خزّانِ اللغةِ إلاّ أقلّه، وبقيَ من ألفاظِ اللغةِ شيءٌ كثيرٌ جداً ممّا لم يَشملْه الاستقْراءُ والإحصاءُ الدّقيقُ ؟

الغالبُ أنّ الأدبَ العربيَّ في سائرِ أعصُرِه لم يَستَنفِدْ من مُعجَم اللّسانِ إلاّ أقلَّه، على ما في هذه القلّةِ نفسِها من كلماتٍ مُستحدَثةٍ أمْلتْها ظروف العصرِ و مواكبَةُ الجَديدِ، ممّا تيسّرَ للأدباءِ والنّقّادِ أن يطّلعوا عليْه. فليسَ المُرادُ بالقلّةِ المَذكورةِ القلّةَ على وجه الحقيقةِ، ولكنّ المُرادَ الكنايةُ عن عَدم الإحاطَةِ وتعذُّرِ الحَصرِ والاستقصاءِ .

ويُشبه أمرُ القلّةِ هذا، ما رُويَ عن أبي عَمْرو بن العَلاءِ في مَقالةِ ابن سلاّم الجُمَحي الشَّهيرَة؛ قالَ يونس بن حبيب: قال أبو عمرو بن العلاء: ما انتهى إليكُم مما قالتِ العَربُ إلا أقلُّه، ولو جاءَكم وافراً لجاءَكم علمٌ وشعرٌ كثيرٌ. [طَبَقات فُحول الشعراء، محمّد بنُ سَلاّم الجُمَحي (ت.231هـ) تحقيق محمود شاكر، مط. المَدَني، القاهرة، 1400هـ-1980م، السفر الأول، ص:25]

* فقَد راجَعَ النّقّادُ ما بينَ أيديهم من شعرِ العربِ وأدبِهم بعد أن هلَكَ بالموتِ والقتلِ الرّواةُ والحَفَظَةُ، فَلَم يَؤولوا في مراجَعاتهِم إلى ديوان مُدوَّن ولا كتابٍ مكتوب، وألْفَوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عليهم منه كثير.

* ثُمّ ثمَّةَ سببٌ آخر للقلّةِ المَذكورَة: وهو عَمّا وَرَد عن العربِ من أدبٍ وشعرٍ؛ فإنّ العَربيَّ الفَصيحَ كان يتكلّمُ بالشيءِ مخالفاً لِما عليه الجُمهورُ، فينفردُ بذلِك القدرِ الذي قالَه، مما يقبَلُه القياسُ، وإن لَم يَردْ به استعمالٌ إلا من جهة ذلك المنفرِد، فأحسَن الظّنَّ به العُلَماءُ والرّواةُ، عَلى ما رَواه ابنُ جنّي في الجزء الأولِ من الخَصائص، في: باب فيما يَرِدُ عن العربيّ مُخالفاً لِما عليه الجُمهورُ،
وعلّةُ قَبولِه وإحسانِ الظّنّ به أنّه قد يكونُ ذلك وقعَ إليه من لغةٍ قَديمةٍ قد طالَ عَهدُها، وعفا رسمُها.

* ثمّ سببٌ ثالثٌ في القلّةِ: هو الاقتصارُ على المَشهورين: فمنهَجُ ابن سلاّم الجُمَحيّ في كتابِه الطّبَقاتِ أنّه اقْتصَرَ في ذكْرِ العَرب وأشعارِها على المشهورينَ المَعروفينَ من شُعَرائها وفُرسانِها وأشرافِها وأيّامها؛ إذ كان لا يُحاطُ بشعرِ قبيلةٍ واحدةٍ من قَبائلِ العربِ، فاقتَصَرَ من ذلِك على ما لا يجهَلُه عالمٌ ولا يستغني عن علمِه ناظرٌ في أمرِ العربِ وأشعارِها .

فتلكُ أسبابٌ ثَلاثةٌ تبيّنُ أنّا لم نحصلْ إلاّ على نسبةٍ يسيرةٍ جداً من هذا الأدب الفَصيحِ الذي هو خَزّانُ لسانِ العَرَبِ وديوانها ومَجْمَع أخبارِها وأيامها ومَحاسنِ كَلامِها. فإذا كان ذلِك كذلِك فإنّ كلَّ عصرٍ يختصُّ عن سالِفِه بنسبةٍ من الأدب والكلماتِ والمُعجَم الفَصيحِ، أيْسَرَ وأقلَّ ممّا اشتهرَ قبلُ وحفظَه ديوانُ كَلامِ العربِ ومَعاجمُهُم الضّخمَة وجَمْهراتُ أشعارِهم

رد واحد

طُرُق تَوْليد الألفاظِ في اللّغَة العربيّة

أغسطس
10

Sans titre

من باب التّذكيرِ، أن يُشارَ إلى أنّ توليدَ ألفاظٍ جَديدةٍ للدّلالةِ على معانٍ جديدَةٍ ، لا يحصلُ إلاّ وفقَ ضوابطَ صرفيّةٍ محدّدةٍ تضمنُ للفظِ الجَديدِ أن يلتحقَ بمُعجمِ اللغةِ العربيّةِ من غيرِ أن يُغيّرَ بنيتَها، أي يُلحَقُ اللفظُ الجديدُ بالطّرقِ السّليمَةِ التي تُحوِّلُ اللفظَ المُبتَكَرَ المُولَّدَ إلى لفظ عربيّ فصيحٍ أو مُلحقٍ بالفَصيحِ، ومن هذه الطّرقِ الصّرفيّةِ الإلحاقيّةِ

– الاشتقاقُ بأنواعِه المُختلفةِ المَعْروفَة التي ذكَرَها ابنُ جنّي ومَن بعَدَه من عُلَماء الصّرف.
– التّعريبُ بوَصفِه آلةً تُصيّرُ اللفظَ الأعجميّ عربياً خاضعاً للمَقاييسِ الصوتيّةِ والصّرفيّةِ العربيّةِ، والتّعريبُ يحمي حَواشيَ المُعجَمِ العَربيّ الفَصيح من الدّخيل، فبِالتّعريبِ يُميَّزُ بين المُعرَّبِ والدّخيلِ
– النّحت ،وهو نوعٌ من أنواع الاشتقاق لأنّه يُمكّنُ من صياغةِ لفظٍ جديدٍ من أصلِ ألفاظٍ ، لِما للعربيّةِ من حاجةٍ إلى نَحْتِ ألفاظٍ جديدَةٍ للدّلالة على مَعانٍ مركّبةٍ
– الارتجال : وهو مقْياسٌ لا يصحّ العَمَلُ به واتّخاذُه أصلاً إلاّ لمَن قويَت فَصاحتُه حتّى أدركَ مرتبةَ ارْتجالٍ ألفاظٍ لَم تُسمَعْ من قبلُ ، فهذا المُرتجِلُ لا يُشكُّ في توليدِه للفظِ الجديد ، وفي مَدى فَصاحَةِ ما ارتَجَلَه
– المَجاز : وهو طريقٌ لتحويلِ الدّلالَةِ حيثُ يُحمَّلُ اللفظُ القَديمُ مَعنىً جديداً نظراً للحاجَةِ إلى ذلِكَ المعْنى الجديد، من غيرِ حاجةٍ إلى ابتكارِ لفظٍ جَديدٍ
– دلالَة الأبنية : تُساعدُ الدّلالَة الصّرفيّةُ التي تحملُها الأبنيةُ قبلاً، على ابتكارِ ألفاظٍ عديدةٍ على بناءٍ واحدٍ أو أبنيةٍ متعدّدةٍ بحسبِ المَعْنى المُراد

رد واحد