مواضيع أكتوبر, 2013

السِّياسَةُ الُّلغَوِيَّةُ والتَّخْطيطُ الُّلغَوِيّ

أكتوبر
12

التخطيط اللغوي
السِّياسَةُ الُّلغَوِيَّةُ والتَّخْطيطُ الُّلغَوِيّ

السياسَةُ اللغويةُ هي التدابيرُ التي يَّتخذُها بَلدٌ منَ البُلدانِ إزاءَ لغتِه، وتخضعُ السياسةُ الّلغويةُ لبلدٍ ما للتَّخطيط أو الخُططِ المَرسومةِ مِنْ قِبَلِ فَعالياتٍ مُتعدّدةٍ من أبناءِ هذا البَلدِ ومنَ الناطقين بهذِه اللغة المخطَّط لَها.
والمَقصودُ بِالتّخطيطِ الّلغويّ كَما قلتُ: القَراراتُ والّتدابيرُ التي يَتّخذُها البَلدُ لرسمِ سياسةٍ لغويةٍ بعيدةِ المَدى تُفرَض على المجتمع لحمايةِ الّلغة القوميةِ منَ التّحدياتِ المُحدقةِ بها مِثل المُنافسةِ اللغويةِ الأجنبيةِ وطغيانِ اللهجاتِ المَحليةِ ومُواجهةِ التّعددِ اللّغويّ الذي يُهدّد بتفرق الوطن إلى أجزاء أو قوميات صغيرة قد تنذر في المستقبل البعيد بكوارث اجتماعية وسياسية كالمطالبة بالاستقلال الذاتي وما إلى ذلك. وأضرب مثالا على ذلك بالمغرب فهو أوضح من المشرق في المعاناة من خطر التعدد: يعاني المغاربة من تعدد ذي مستويين : مستوى الازدواجية بين عربية ولهجات محلية، ومستوى الثنائية بين عربية وأجنبيات، والمغرب لم يستطع إلى الآن أن يرسم سياسة لغوية واضحة لمواجهة هذا التعدد المهدِّد لوحدة البلاد، بدعوى أنّه تعدّد تنوّع وليس تعدّد تناقض، والمغرب كما هو معروف يترك الحبل على الغارب فيما يتعلق بصراع العربية مع الأجنبية، فطغيان الأجنبية وضعٌ مريحٌ لسياسة الدولة التي احتضنت الانفتاح على الغرب والارتماء في أحضانه مطلقا، على الرغم من أنّ خبراءَ لسانيّينَ مَغاربةً دَقّوا جَرسَ الإنذار وانتقدوا سياسةَ الدّولة المُهلهَلَةَ والمُتساهلةَ إزاءَ اللغة العربية، بالرغم من أنّ دستور البلاد ينص على أنّ العربيةَ لغةُ الدولةِ الرسميةُ. هذا إذا ما قارنّا أوضاعَنا بالوضع في الأرض المحتلّة وأقصد بها أنّ الصهاينةَ وضعوا سياسةً لغويةً واضحةً لحماية اللغة العبرية: فالعبرية لغة جعَلَها أصحابُها لغةَ الحديث اليومي ولغة الثقافة والفكر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انظر للتوسّع في الموضوع: د. عبد القادر الفاسي الفهري: عربية النمو والمعجم الذهني، في كتابه: المقارنة والتخطيط في البحث اللساني العربي، دار توبقال للنشر، 1998

تعليقات 3

في المَبادئ الكلّيّة والقَواعد النّحويّة.

أكتوبر
09

قال لي صاحبي وهو يُحاورُني متسائلاً: هل بُرمِجَ عقلُ الإنسان بالقواعد قبل الولادة؟ أيتكلم الإنسان بقواعد مسبقة في ذهنه أم يتكلم تحت رعاية الاحتياج المعنوي وعلامات أمن اللبس؟
ثم أجابَ عن سُؤال نفسِه بقولِه : الذي يبدو لي أن الإنسانَ لا يتحدثُ بقواعدَ مسبقةٍ وإنما يتكلم تحت رعاية الاحتياج المعنوي وعلامات أمن اللبس ،للأسباب التالية :
1- إذا افترضنا أن الإنسان يتحدث بواسطة القواعد المبرمجة سلفا قبل ولادته فهذا يعني أن تتشابه أقوال جميع البشر الذين يتكلمون لغة معينة كالعربية…
2- واختلاف الحاجات المعنوية كذلك يؤدي إلى ظهور القواعد المركبة ،وهذا ما حصل في النحو العربي ،لأن الإنسان لا يتكلم وفق القوانين الصارمة ، والثابت لا يتحكم في المطلق ،واللغة لا نهائية ، ولو جهِّز العقل سلفا بالقواعد لما رأينا التطور في القاعدة النحوية على مر الزمن .
3- كما أن الصبي الصغير لا يتكلم اللغة الفصحى وفق القواعد التي جهِّز بها عقله سلفا، بل هو يتعلم من البيئة التي يعيش فيها.
4- وهذا يؤيده قول الرسول -صلى الله عليه وسلم-أنا أفصح العرب بيد أني من قريش وتربيت في بني سعد فأنَّى لي اللحن” والرسول الكريم لا ينطق عن الهوى .
5- ويؤيده كذلك طلبه-صلى الله عليه وسلم- من زيد بن ثابت الأنصاري بتعلم لغة اليهود، وهذا يعني أن اللغة ثقافة وليست قواعد معدة سلفا في عقل المتكلم .
6- ويؤيده قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-للمسلمين”روُّوا أبناءكم الشعر تعذب ألسنتهم، ولو كانت عقولهم مبرمجة بالقواعد مسبقا لما سمعنا هذا الكلام .
7- كما أن ظهور اللحن ينفي وجود القواعد المسبقة في ذهن المتكلم.
8- بالإضافة إلى أن الإنسان قد يتكلم أكثرمن لغة ،فهل عقله مزوَّد بقواعد اللغات التي يتحدثها جميعا .
9- بالإضافة إلى تمايز نثر وشعر العرب من حيث الجودة والرداءة ، وهذا نابع من تغير ثقافاتهم واحتياجاتهم وعقولهم وملكاتهم. ولهذه الاسباب أقول:إن الإنسان يتثقف لغويا ويتحدث بمستويات متعددة وبلغات متعددة، وهو يقول وهو يفكر ويفكر وهو يقول تحت رعاية الاحتياج المعنوي وعلامات أمن اللبس.
*******************************************************
************

فأما جَوابي عن سؤاله والرّدُّ على جَوابِه فأختصرُه في الكلماتِ التاليةِ:
تحدَّثَ كثيرٌ من اللّسانيّين المُعاصرينَ عن خُصوصيّة القَواعد وعدَم كلّيّتها، وأغلبُ مَن نَفَوْا وجودَ قواعدَ عامّةٍ، إنّما فعلوا ذلك في سياقِ النّقدِ للنظريّةِ التَوليدية التّحويليّةِ (1) التي يفترضُ فيها شومسكي أنّ اللغاتِ البشريّةَ كافةً مستندةٌ في العُمقِ إلى قَواعدَ نفسيّةٍ ذهنيّةٍ عامّةٍ، ووجَدَ أنه من السّذاجةِ أن نتحدّثَ عن قَواعدَ لغويّةٍ نحوية وصوتية وتركيبية مشتركةٍ؛ فليسَ الاشتراك موجوداً بين الظواهر وإنّما هو في المَبادئ، كما سأوضحُ في الأخير. (المزيد…)

تعليقات 10

منهج السياق وأثره في فهم النص

أكتوبر
04

الأمة2-منهج السياق في فهم النص
السّياق إطارٌ عامّ تنتظم فيه عناصر النّصّ ووَحداتُه اللّغويّة، ومقياسٌ تتّصل بوَساطَتِه الجُمل فيما بينها وتترابط، وبيئةٌ لغوية وتداوليّة ترعى مجموع العناصر المعرفية التي يقدمها النّصّ للقارئ.

ويضبط السّياقُ حَركاتِ الإحالة بين عَناصر النّصّ، فلا يُفهَم معنى كلمة أو جملة إلا بوصلِها بالتي قبلها أو بالتي بعدها داخل إطار السّياق. وكثيرا ما يَرد الشّبه بين الجُمل والعبارات مع بعض الفوارق التي تميز بينها، ولا نستطيع تفسيرَ تلك الفوارق إلا بالرّجوع إلى السّياق اللّغويّ و لحظِ الفوارق الدّقيقة التي طرأت بين الجمل. فكلّ مَساق للألفاظ يجرّ ضربا من المعنى بجزئياته و تفاصيله.

والسّياق الصّورة الكلّيّة التي تنتظم الصور الجزئيّةَ، ولا يُفهَم كلّ جزء إلا في موقعه من «الكلّ»، وقد أثبت العلم أنّ الصّورةَ الكلّيّة تتكوّن من مجموعة كبيرة من النّقاط الصغيرة أو المتشابهة أو المتباينة، التي تدخل كلها في تركيب الصورة.

هذا وإنّ التّحليل بالسياق يُعدّ وسيلةً من بين وسائل تصنيف المدلولات(1)، لذلك يتعيّن عرض اللّفظ القرآنيّ على موقعه لفهم معناه ودفع المعاني غير المرادة. وللسّياق أنواع كثيرة منها(2):

– السّياق المَكاني ويعني سياق الآية أو الآيات داخل السّورة وموقعها بين السّابق من الآيات واللاحق، أي مراعاة سياق الآية في موقعها بين السّابق من الآيات واللاّحق، أي مراعاة سياق الآية في موقعها من السّورة، وسياق الجملة في موقعها من الآية، فيجب أن تُربَط الآية بالسّياق الذي وردت فيه، ولا تُقطَع عمّا قبلها وما بعدها.

– السّياق الزّمنيّ للآيات، أو سياق التّنزيل، ويعني سياق الآية بين الآيات بحسب ترتيب النّزول.

– السّياق المَوضوعيّ، ومعناه دراسة الآية أو الآيات التي يجمعها موضوع واحد، سواء أكان الموضوع عامّاً كالقصص القرآنيّ أو الأمثال أو الحِكم الفقهية، أم كان خاصّاً كالقصة المخصوصة بنبيّ من الأنبياء أو حُكم من الأحكام أو غير ذلك، وتتبّع مواقعها في القرآن الكريم كلّه.

– السّياق المَقاصديّ ومعناه النّظر إلى الآيات القرآنيّة من خلال مقاصد القرآن الكريم والرؤية القرآنية العامّة للموضوع المُعالَج.

– السّياق التّاريخيّ بمعنييه العامّ والخاصّ؛ فالعامّ هو سياق الأحداث التّاريخيّة القديمة التي حكاها القرآن الكريم والمُعاصرة لزمن التّنزيل، والخاصّ هو أسباب النّزول.

– السّياق اللّغويّ وهو دِراسةُ النصّ القرآنيّ من خلال علاقاتِ ألفاظِه بعضها ببعض والأدواتِ المستعملة للرّبط بين هذه الألفاظ، وما يترتّب على تلك العلائق من دلالات جزئية وكلّية.

وينبغي تحكيم كلّ هذه الأنواع من السّياق عند إرادة دراسة النّصّ القرآني بمنهج سياقيّ متكامل، وإلاّ فإنّ الاقتصار على السياق التّاريخيّ سيحوم حول النّصّ ولا يعدوه، وأمّا الاقتصار على السّياق الدّاخليّ وحده دون الالتفات إلى الأحداث التّاريخيّة المحيطة به أو المصاحبة لنزوله فسيجعل النّصّ بنيةً لغويّةً مغلقةً تقتصر على ما تفيده الألفاظ من معانٍ ودلالات .
ــــــــــــــــــــــ
(1) توصَّل علماءُ الدّلالة في العصر الحديث إلى تصنيف المدلولات بالاعتماد على عدّة طرق: الطريقة الشكلية أو الاشتقاق الصرفي، والطّريقة السّياقيّة، و الطّريقة الموضِعِيّة (تصنيف المدلولات بحسب موضع المتكلّم وموقفه)، و الحقول الدّلاليّة (القَرابة الدّلاليّة بين المدلولات)،والتَّحليل بالمُؤلِّفات التي تتألّف منها الكلمة. انظر في تفصيل هذِه الطّرق: “مدخل إلى عِلم الدّلالة الألسنيّ” موريس أبو ناضر، مجلة الفكر العربي المعاصر، مركز الإنماء القومي، ع:18-19، مارس1982م .

(2) انظر بسط الموضوع في كتاب: “منهج السّياق في فهم النّصّ” د. عبد الرحمن بودرع، كتاب الأمة، ع:111، المحرّم1427هـ-فبراير2006م

رد واحد