مواضيع نوفمبر, 2013

من النّصّ إلى الفعل، ظواهرُ مَرَضية في قراءَة الرواية، على هامش روايَة آلام فارتر للشاعر الألماني جوته، وتأثيرها السلبي في القرّاء الشباب

نوفمبر
14

مصيرُ أبطال الروايَة: انتحر البطلُ في نهايةِ الروايَة، والمُثيرُ أنّه انتحرَ بعدَه كثيرٌ من الشباب في ألمانيا بعد قراءته

“آلام فارتر” لشاعر ألمانيا وفيلسوفها في فرنكفورت: “جوته” بترجمة حسن الزيات وتقديم طه حسين. 

***

الانتحارُ بسبب الحُبّ البائس، والغَرام اليائس، نفذه في نفسِه فارتر، فجَعَلَه جوته مَثلاً أعلى للشبيبَة الحساسَة وسبيلاً إلى تصوير عواطف مُتّقدة وخواطر ملتهبة ونفوسٍ مضطرِبَة، وجعَلَ جوته بطَلَه هذا نفْساً لطيفةً شاعرةً أشجاها غصَّةُ الهمّ وحرقةُ الجَوى، ليستمدَّ منه الشبابُ الصبرَ والعَزاءَ من الآلام، ويتلمّسون البرءَ والشفاءَ من الأسقام.

وبعدُ، فهل يُعدّ الانتحارُ فعلاً طبيعياً بعدَ فعلِ القراءَةِ، هل هو انتقالٌ منطقيٌّ من النّصّ إلى الفعلِ، هل الانتحارُ استجابةٌ طبيعيّةٌ لحوادثَ حصَلَت في الرّوايَةِ، وتقليدٌ طبيعيٌّ من القُرّاءِ للبطَلِ؟

الحقيقةُ أنّ الانتحارَ  إزهاقٌ للنفس، واعتداءٌ على الروح، وجريمَةٌ في حقّ الذّات، ولا يَبدو أنّها تضحيةٌ سليمَةٌ يَنتفعُ منها المُحبُّ والمَحْبوب.

ومن الناسِ مَن انتَحَر من شدّة الطّربِ من الأصواتِ؛ في ما حَكاه الجاحظُ: «أَمْرُ الصَّوتِ عَجيبٌ، وتَصرُّفُه في الوُجوه عَجبٌ، فَمن ذلكَ أنّ منه ما يَقتُلُ، كَصوت الصّاعقة، ومنها ما يَسُرُّ النّفوسَ حتى يُفْرِط عليها السُّرُورُ؛ فتقلَقَ حتى تَرقُص، وحَتّى رُبما رَمى الرَّجُل بنفْسه مِن حالق…» [كتاب الحيوان للجاحظ: تأثير الأصوات]

ونحن ههنا نتكلم عن الذين انتحَروا من شدّة الحبّ، حبّ الأشخاص أو الأصواتِ أو الأشياءِ، هَلْ كانَ المنتحِرونَ أنموذجاً ومَثلاً في المُحبّينَ، نعرفُ أنّ من المحبّينَ مَجانينَ مثل مجنون ليْلى وغيره، وهائمينَ على وُجوههم، ومَن تَعرّضَ للمَهالك، أيكْفي أن نصفَ النّماذجَ البشريّة التي أهلكَها الحبّ أو أهلَكَت نفسَها بنفسِها، بأنّها نَماذجُ عاليةٌ في التّضحيةِ البشريّة، والمشاعرِ المفْعَمَةِ الغاليةِ.

والرأي عندي أنّ الانتحارَ في سبيلِ المحبّةِ ليسَ تَعبيراً سَليماً عن المحبّة؛ لأنّ المفترَضَ أنّ المحبّةَ تولّدُ العجائبَ ولا تَقودُ إلى قَتْلِ النّفسِ: فهيَ حَياةٌ وليسَت موتاً، وأملٌ وليسَت يأساً، ونورٌ وليسَت ظَلاماً، وأنسٌ وليسَت غربةً ووحشةً، وشعورٌ إيجابيّ وليسَت سلْباً، وسموٌّ بالنّفْسِ وليسَت هُبوطاً، وظاهرةٌ صحيّة تدفعُ إلى الإبْداعِ وليسَت انكفاءً، وفيها انسجامُ النُّفوس وتآلُفُها، وليسَت تَنافُراً، وفيها مُواكبةُ طَبائع الأشياء لا مُعارضتها، أما الانتحار فهو شذوذ ومَرضُ نَفسٍ يضرّ بالمحبّ والمحْبوب ويُزهِّدُ الناسَ في المحبّة أصلاً.

فإذا قالَ القائلُ: ذا كان المحبُّ يفقد عقلَه من الحب فهل يمكن التماسُ العذر له لأنّه لَم يعُدْ يتحكّمُ في أفعالِه ولا يملكُ إرادَتَه وقلبُه أفلَتَ منه واستقرَّ بين يدي المَحْبوبِ ليفعلَ به ما يشاءُ…

فالجوابُ أنّه إذا ثبَتَ بالطّبّ الشّرعي والفَحص أنّ الإنسانَ مريضٌ عقلياً أو مَجنونٌ فهذا ممّن رُفع عنه القَلم، أمّا إذا كان يُميّزُ وعرّضَ نفسَه للهلاك فهو مسؤولٌ، وغُلاةُ المتصوّفَة من الحُلوليّة والفرقِ الضّالّةِ قَصدوا إلى ذلِك قصداً ووجدوا راحَتَهُم وضالَّتَهم في الجُنون، ولم يكونوا مَجانينَ خارجَ إرادتهم؛ لأنّهم ترَكوا كتباً ورَسائلَ تشهدُ عليْهم وتُقيمُ عليهم الحجّةَ. وقد كانَ كثيرٌ منهم قَوماً بهاليلَ مَعتوهين، كما قالَ ابنُ خلدونَ في المقدّمة، أشبه بالمجانين وأقربَ إليهم من العقلاء، وكانوا يَدّعونَ أنّ لهم مَقامات الولاية و أحوال الصديقين، وغير ذلِك ممّا يُوهمُ أنّهم رُفِعَ عنهم القلمُ ولم يَعودوا مُكَلَّفين، وأنّهم أهلُ محبّةٍ وذَوقٍ، وأنّهم يَقعُ لهم من الأخبار عن المغَيَّبات عجائبُ لأنهم لا يَتقيَّدون بقاعدةٍ ولا بتَكليفٍ شرعيّ.

والحقيقةُ أنَّ التّفانيَ في حبّ الله لا يؤدّي إلى الجُنون والتّعرّي واختلاطِ العَقْلِ… وإنّما يؤدّي إلى البناءِ والانسجام مع الكون ومحبّة الناسِ والتآلُف معهم وإنشاء الحَضارات الإنسانيّةِ النافعةِ وإبداعِ المَعارِفِ العلميّةِ والثّقافيّة.

والانتحارُ من أجل المَحْبوب ثقافةٌ عُرِفَت في المجتَمَعاتِ الغربيّةِ عامّةً ولم يُعرَفْ بالقوّةِ ذاتها في المجتمعَع العربيّ على الرّغم ممّا يُقالُ عنه من أنّه مجتمع التشدّد الدّيني والعنف الفكريّ وهلمّ جراً ، فالانتحارُ تضحيةً بالنّفس من أجل المَحْبوب عُرفَ عندَهُم بقوّة ، وما زالَ إلى اليوم، بسبب الخَواء الرّوحيّ ، وكلّما وُجدَ هذا الشّرطُ [الخَواء الرّوحيّ والعَراء عن الثقافَة المحصِّنة] تحقّقَت النتيجَة : الانتحار

تعليقان 2

أزمة التعليم في بُلْدانِنا …

نوفمبر
12

أزمة التعليم 

الرأي عندي أنّ الأزمَة ليسَت في مناهج وزارات التعليم في العالَم العربيّ؛ لأنّ الوزارات لا تملكُ شيئاً يُذْكَرُ، حتّى تُفيدَ به المُجتَمَعَ وتخدمَه به؛ إنّ وزارات التعليم كَسائرِ وزاراتِ الحُكومَة، مُشَغَّلَة بوظيفَة تَدبير شؤون المَواردِ البَشريّةِ والتّجهيزاتِ، ووظيفَةِ الإحصاءاتِ ورَفْع التقاريرِ؛ إحصاءات وجَداول وتقارير يومية تُرفَعُ إلى مصادر السلطة لإخبارها بما يجري وبما يلزَمُ لتنفيذِ سياسَة الدّولَة في التعليم.

أمّا مصدرُ الأزمات ففي التأثير الذي يُمارسُه مُتمكّنونَ نافذونَ، لهم سلطةُ الحلّ والعَقْد، ولكنّهم لا يظهرون حتّى لا يُثيرَ ظهورُهم شبهةً للمشهَدِ السياسي الأنيقِ الذي تتباهى به الدّولةُ ليمدَحَها الخارِجُ ويُثنِيَ على إخلاصِها وحرصها على الحريات والعدل والديموقراطية المزعومَة. 

مصدرُ الأزماتِ في بناءِ دولةٍ عَميقةٍ خفيّةٍ غيرِ ظاهرةٍ؛ تتكوّنُ من جمعياتٍ وتسخير رجالٍ ومدّهم بمبالغَ خيالية من المال والعَتاد، فهذا هو الأمرُ الأمَرُّ في بلداننا. ولقَد غَدَت العربيةُ والدينُ من ضحايا الأمّة الكبرى لهذه السياسَة.

عندنا في كثير من دول العالَم العربي ما يُمكن تسميتُه بالدّولَة السطحية والدّولَة العميقَة، والعميقَة تُملي السياسَةَ التي ينبغي اتّباعُها، على السطحيّة، فالسطحيّةُ تستمدُّ مرجعيتَها ومصادرَ عملها من العميقَة وليسَ من مَطالب الشعوبِ ومصالحها.

لا يوجد ردود

تَخطيطٌ رَهيبٌ للقَضاء المبرَم على اللغة العربيّة بالمَغرب.

نوفمبر
07

1004980_10151780612977582_156296192_n

من عَناصر التّخطيط، أو إن شئتَ من مَظاهرِ الإعدادِ للإجْهازِ على العربيّة الفصحى وقتلِها عَقْدُ ندواتٍ ومؤتَمراتٍ دوليّة ببلادِنا للجهرِ بالقَضاءِ عليْها؛ و يُخصُّ بالذّكرِ ههنا ندوةٌ نظّمتها مؤسسةُ زاكورَة للتربية، استدْعَتْ لَها “لحلّ مُعضلتِنا الوطنيّةِ” ما سمّتْه “بالفعاليات” العلمية والتربوية من الجَزائر ومصر وإسبانيا وفَرنسا، وزعَمَت المؤسسةُ أنّ النّدوةَ تنخرطُ في إطار تخطيطٍ لغويّ ترسمُه هي لتعليم الصّغارِ ومحو الأمّيّة عن الكبار والتّكوين المهنيّ لليافعينَ، وأنّ الدّاعي إلى رَسمِ هذه الخطّة العَجيبَة هو التعدّد الثقافيّ واللغوي للمغربِ، وسيتمخّضُ التّخطيطُ عن تصوّرِ لغةٍ هَجينٍ مركّبةٍ من الفصيحَةِ والعامّيّةِ سَمّتها المؤسّسةُ بالعربيّة المغربيّةِ أو اللّغة العَربيّة الأمّ للمَغارِبَة، فعَلى الخطّة أن ترفَعَ من شأنِ هذه العربيّة المَغربيّة التي تخلطُ اللسانَ الفصيحَ باللهجةِ العامّيةِ، وأنّ هذه العربيّة الأمّ المغربيّةَ يجبُ أن تصبحَ لغةَ التداوُل والتّواصُل في التعليم والعَدْل، وأنّه يجبُ اختيارُ حُروف عَربيّة لنسخِ الدّارجَة المغربيّة حتّى تصيرَ لغةً مكتوبةً، أمّا عن تدريسِ الموادّ العلميّة فينبغي العُدولُ في رأي المؤسسةِ “الوصيّ” عن التّعريبِ الجُزئي والعودَة إلى اللغاتِ الأجنبيّة، بدَعْوى الانخراطِ في سياقِ اللغاتِ الأجنبيّة العالَميّة في الإنتاج العلميّ. وينبغي -لتفعيلِ التوصياتِ – إنشاءُ أكاديميّة لتقنينِ هذه العربيّة المغربيّة الحديثَةِ تجمعُ بينَ الفصحى والعامّيّة. والغريبُ أنّ المؤسّسةَ تُصدرُ توصياتِها وكأنّها الوصيّ الشرعيّ على مُستقبَل المغربِ اللغويّ، وتعقدُ ندوَتَها وتستدعي لَها مَن ينسجمُ تصوّرُه مَع مشروعِها، وتُغيّبُ عنها عُلماءَ مَغاربةً كباراً مَعنيّينَ بشأن العربيّة ببلادهِم، وما تَضْييفُها لِمَن ارتضَت من المُشارِكينَ إلاّ لأنّها تُريدُ التّمكينَ لمشروعِ العامّية المُعرّبَة أو العربيّة المُدرّجَة من دونِ أن يُعكّرَ صفوَ التّوصياتِ غيرِ البريئَة مُعكِّرٌ. ونحن نعلَم أنّ للعربيّة الفُصحى عُلَماء غُيُراً لا ينبغي مُجاوزتُهم في مثلِ هذه الأحوالِ، وجمعيّاتٍ مُحتَرَمةً للدّفاعِ عن العربيّةِ وحمايتِها ممّن يُريدُ وأدَها، ورأيُ تلكَ الجمعيّاتِ وأولئكَ العُلَماءِ واللسانيينَ ومشورتُهم لَممّا يَنبغي العضُّ عليْه بالنّواجذ، وإلاّ فإنّ أيّ قَرارٍ سياسيٍّ قد تتّخذُه الدّولةُ العَميقَةُ ثمّ الدولَةُ السّطحيّةُ، لإنفاذ وصايا المؤسسةِ سيكونُ مُخاطرةً ذاتَ عواقبَ غيرِ محمودَةٍ، وبدايةً لأزمَةٍ مَشهودَةٍ. وليسَت المؤسّسَةُ “الوصيُّ” أوّلَ مَن يَدعو إلى العامّيةِ وإلباسِها لَبوسَ اللغةِ الرّسميّةِ المكتوبَةِ، فقد سبقَها إلى هذه الدّعوَةِ مُستشرِقونَ وأتباعٌ لهُم من العَربِ، دَعوا إلى إلغاءِ الفُصحى وإحلالِ العامّيّة محلَّها، بدَعوى صعوبَةِ الفُصحى… وممّا يُذكرُ ههنا على سبيلِ التّمثيلِ والقياسِ، أنّ هذه الدَعوةَ شُنّت على العربيّة في مصر في القرونِ الماضيَة، ودَعا أصحابُها المصريّينَ إلى تبنّي العامّيّة المصريّةِ وهَجرِ الفُصحى؛ لأنّ تبنّيَها الفُصحى سيحشُرُها مع الدّولِ العربيّة الأخرى بَيْنَما مصرُ فرعونيّةُ الأصل، وهذا الكلامُ قد يصدقُ على خطابِ المؤسسةِ في المغربِ، ومَن لفّ لَفَّها، ممّن يقولونَ إنّ المغربَ يختلفُ عن الدّول العربيّة في أنّ لهجاتِه وألسنَتَه غيرُ عربيّة وأنّ تاريخَه مختلفٌ عن تاريخِ العربِ… والغريبُ في خطابِ المؤسسة ومَن شاكَلها أنّ العامّيَةَ المغربيّةَ متأثّرَةٌ تأثّراً شديداً باللغة العربيّة الفَصيحَة، فإذا حَكَمْنا على الفُصحى بالتّخلّف وهي اللغة النظاميّةُ المُسنَدَةُ بالقَواعدِ وبالرّصيدِ الثقافيّ الضّخم، فكيفَ نسمَحُ للعامّيةِ بأن تحلّ محلَّها، وهي التي تقتاتُ على مائدةِ الفُصحى، وأن تُواجه العصرَ وتُواكبَ الجَديدَ ؟ 

من كتابي: إتحاف الناظر بنُفاضة الضمائر وعُصارَة الخَواطر ص: 121 [الهامش:1]
منشورات كلية آداب تطوان، ط.1، مارس 2011م

لا يوجد ردود