مواضيع مارس, 2015

الإلحاحُ في الخَير والإصْرارُ في الشّرّ

مارس
26

يَكثُرُ في الناسِ إخراجُ اللفظ عن دلالته جهلاً ومن غير قصدٍ إلى مَجازٍ أو وجه من وجوه التّوسّع اللّغويّ، أن يستعملوا الإصرارَ في الخير. والغالبُ في دلالَة أصرَّ يُصرُّ إصْراراً فهو مُصرٌّ، أن يَكونَ في الشّرّ، والصّوابُ أنّ دَلالَة ألحَّ يُلحُّ إلحاحاً فهو مُلحٌّ ومِلْحاحٌ، تَكونُ في الخير:

–  والإِلْحاحُ مثل الإِلْحافِ. وأَلَحَّ عليه بالمسأَلة وأَلَحَّ في الشيء كثُر سؤالُه إِياه كاللاّصق به. وأَلَحَّ على الشّيء أَقبل عليه لا يَفْتُرُ عنه وهو الإِلحاحُ، وامرؤٌ مِلْحاحٌ مُدِيمٌ للطلب، ورَحى مِلْحاحٌ على ما تطْحَنُه، وأَلَحَّ السّحابُ بالمَطَر دامَ؛ قالَ امرؤ القَيس:
دِيارٌ لسَلْمى عافِياتٌ بذي خالِ /// أَلَحَّ عليها كلُّ أَسْحَمَ هَطَّالِ 
وسحابٌ مِلْحاحٌ دائم وأَلح السحابُ بالمكان أَقام به، وامرؤٌ ملحاحٌ في الدّعاءِ كَثيرُ الدّعاء لا يَفتُرُ،والعَبْدُ الملحاحُ في دُعاءِ الخيرِ مَحمودٌ

– أمّا الإصْرارُ فمَعْناه الإرصادُ، والغالبُ فيه أن يُستعمَلَ للدّلالَة على مَعانٍ غير مَحمودةٍ، لا صغيرة مع إِصرار، والإِرْهاصُ على الذَّنب الإِصْرارُ عليه؛ فمَن أصرَّ على صغيرةٍ كبُرَت الصّغائرُ فاقترَبَت من الكَبائرِ، والإِصرارُ يَكونُ في باب المعاصي فهو إصرارٌ عَلَيْها، وكلُّ شَيءٍ من المَعاصي يُضْمِرُه صاحبُه ويُصِرُّ عليه فإِنما هو الإِصرارُ وإِنْ لم يَعْمَلْه؛ ومنه قوله تعالى: «ولم يُصِرُّوا على ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ»

قالَ ابنُ مَنظور: أصَرَّ على الذّنب لم يُقْلِعْ عنه؛ وفي الحَديث ما أَصَرَّ من استغفر أَصرَّ على الشيء يُصِرُّ إِصْراراً إِذا لزمه ودَاوَمه وثبت عليه وأَكثر ما يُستعمَلُ في الشّرِّ والذّنوب، يعني من أَتبع الذنب الاستغفار فليس بِمُصِرٍّ عليه وإِن تكرَّر منه وفي الحديث ويلٌ لِلْمُصِرِّين الذين يُصِرُّون على ما فعلوه وهُمْ يَعلمونَ. وقال البيهقيّ في شُعَب الإيمان: قال ابن عباس : « كلُّ ذنب أصرَّ عليه العبدُ كبيرٌ وليس بكبيرٍ ما تابَ عنه العبدُ»
وفي معرفَة الصّحابَة لأبي نُعَيْم الأصبهانيّ [باب مَن اسمه حصين]: قالَ حَرملَةُ للنبيّ صلّى الله عليْه وسلّمَ: يا رَسولَ الله، إنّ لي إخواناً مُنافقينَ، كنتُ فيهم رأساً أفَلا أدُلّكَ عليهم؟ فَقالَ رَسول الله صلى الله عليه وسلمَ: «مَن جاءَنا كَما جِئْتَنا اسْتغفَرْنا لَه كَما اسْتغفرْنا لَكَ، ومَن أصَرّ على ذلكَ فالله أوْلى به، ولا تَخْرِقْ عَلى أحَدٍ سِتْراً»

لا يوجد ردود

في المُصطَلَح المُشتَرَك، حلقة 2

مارس
24

نستأنفُ حديثَنا عن المُصطَلَح المُشترَك، ونشيرُ في هذا السياقِ، إلى قضيّة منهجيّة ما برحَت الدّراساتُ العربيّةُ الحديثَة في النّقد والأسلوبيّات والسيميائياتِ والتداولياتِ والتأويليّات، تقَع فيها، ذلكَ أنّك كلّما اطّلعْتَ على كثيرٍ ممّا يُكتَبُ اليومَ عن التّراث الاصطلاحيّ والتّراث البلاغيّ واللغويّ والتّراث الكلاميّ، فإنّك تجدُ الأحكامَ المُرسَلَةَ والمُصادراتِ العامّةَ لِما صُنّفَ في الفُنون والعلومِ من مصادرَ قَديمَةٍ، وإنّما مبعثُ تلكَ الأحكامِ العَجْلى رَغبة كثيرٍ من الباحثينَ المُعاصرينَ في التّخلُّصِ السّريعِ من أعباءِ الحديثِ المفصّل والتّحليل المدقّق لمناهج النّظر والتناوُل التي نهَجَها القُدماءُ في مصنّفاتهم، فيعمد هؤلاءِ إلى القَفزِ على كيانٍ ضخمٍ من قيم الزّمان والمَكان والمَعرفَة، للانتقالِ إلى الحديثِ عن الإشكالاتِ المعرفيّة المعاصرة، ولا أفهمُ من تلكَ المُصادَرَة وذلك القَفزِ المنهجيّ، إلاّ نيّةَ الاجتثاثِ، والادّعاءِ الضّمنيّ بأنّ القَضايا التي يبحثونَ فيها، لا تبدأ في الزّمان إلاّ اليومَ ولا في المَكانِ إلا حيثُ يَقفونَ، وأنّ الاجتهادَ المُعاصرَ استقرَّ على ضرورَة مُجاوَزَة البحث فيما كان الأوّلون فيه يَبحثونَ، أو مجاوزةِ الطّرُق والمناهجِ التي كانوا بها يبحَثونَ، وأنّه آن الأوان للانتقالِ إلى القَضايا والمَفاهيم التي أثارَها المفكّرون والفلاسفَةُ المُعاصرون، واصحابُ النظرياتِ والمناهج الحديثَة، انتقالاً كلّيّاً لا رجعةَ فيه، وأنّه ينبغي توحيد مَقاييس انتقاء القَضايا المَبحوثِ فيها وزوايا النّظَر المَبحوث منها والأدوات المنهجيّة المَبْحوثِ بها.

والحقيقةُ أنّه ينبغي التّوقُّفُ الطّويلُ قبلَ ثَقافَة القَفز والمُصادَرَة، وذلكَ من أجل دراسةِ مَقولاتِ التّراثِ وقضاياه وإشكالاتِه في سياقِها الذي كُتِبَت فيه أوّلاً، ثمّ في سياقٍ جديدٍ وهو قابليّة التّمديد: تَمديد القِيَم التي فيه إلى ما بعدَه، وقابليّةُ الإمدادِ: أي استمْداد ما فيه من كلّيّاتٍ، بسببِها يظلُّ العَمَلُ حياً مستمراً، حاملاً في ثناياه أسبابِ بَقائه. وهذا إنصافٌ لهذا الجسم المعرفيّ الضّخم الذي يستقرّ في الزّمان البّشري والامتداد المَكانيّ استقراراً قوياً خالصاً سائغاً غيرَ مَحْجوبٍ عن النّاظرينَ، لا يُنكرُ ذلكَ إلاّ مَنْ غالَطَ في الحَقائقِ نفسَه وأنكَرَ حسَّه. ومَثَلُ هؤلاءِ كَمَثَلِ مَن ردَّ عليْهم عبدُ القاهر الجُرجانيُّ في الدّلائل، ممّن زَهدوا في النّحو وذمّوا الاشتغالَ به، وطَعنوا على الشعرِ والشّعراءِ وعلى البلاغةِ والبُلَغاءِ؛ وسلسلةُ الإعراضِ عَمّا كُتبَ من نصوصٍ وما تَراكَم من مَعارفَ عبر التّاريخ، متَّصِلةُ الحَلقاتِ.

وإنّما وُطّئَ للحَديثِ عن المُصطَلَح بهذه التوطئة ليُعلَمَ أنّه لا ضيرَ في تداخُلِ المَعاني واجتماعِها في حيّزٍ اصطلاحيّ واحدٍ،وأنّ للعلماءِ والمفكّرينَ الحقَّ في استعمالِ المُصطَلَحِ الواحدِ ذي المَعاني المُختلفَة، إذا وَجَدوه مُناسباً لمَفاهيمهم مُناسبةً تامّةً، سواء أكانَ من قبلُ مُستعمَلاً أم لم يَكنْ، ويظلُّ السّياقُ مائزاً، فتداوُلُ الحُقولِ المُختلفةِ للمُصطلَح الواحدِ لَن ينتهي إلى إرباكِ الفكرِ أو إلى الخَلط؛ ما دامَ المُصطلَح مقيَّداً بقَرينةِ السّياقِ الذي يُستعمَلُ فيه.

وفي الحلْقَة الثّالثَة انتقالٌ للحَديثِ عن المُصطَلَح المُشترك الثّاني

رد واحد

في المصطلح المشترك: 1- التضمين

مارس
22

في المصطلح المشترك: 1- التضمين

لا تختصُّ المفردات اللّغويّة وحدَها بظاهرة الاشتراكِ في الدَّلالة، ولكنّك تجدُ ذلكَ في المُصطلَحات أيضاً، وهذا ما يُمكنُ تسميتُه بالمُصطَلَح المُشتَرَك، وسأضربُ أمثلةً يسيرةً على المصطلَح المُشترك بين النقد والشعر والنحو والدّلالة الأصوليّة

الأنموذجُ الأوّلُ عن المُصطلَح المُشتركِ هو التّضمين، ولكلّ حقلٍٍ من حُقول المَعرفَةِ مَعْنىً ينصرفُ إليه لَفظُ التّضمين ويدلُّ عليه.

فالتضمينُ في النّحو خُروجٌ عن الأصل كتَضْمين الفعل معنى فعلٍ آخَر أو تَضمينِه مَعْنى حَرف [من الأدوات الدّالّة]، كَما في قوله تعالى: «ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا» [الأنبياء:77]، عَلى التَّضْمين، أي مَنَعْناه منهُم بالنّصر.
ولذلك عُدي ألَوْتُ إلى مفعولين -وهو في الأصلِ قاصرٌ أي لازمٌ- وذلك في قولهم لا آلوك نُصْحاً ولا آلوكَ جهداً لمّا ضُمِّنَ معنى لا أمنعك. ومن ذلكَ قولُه تعالى: «وما تَفعلوا مِنْ خَيرٍ فلَن تُكْفروهُ» [بالتاء في رواية ورش]، أي فلَن تُحْرَموه ولَن تُحْرَموا ثَوابَه، ولهذا عُدِّي إلى مَفْعولَيْن لا إلى مَفْعولٍ واحدٍ.

والفعلُ سَفه، لازمٌ فإذا تعدَّى فبتَضْمينِه مَعْنى أهلَكَ: «وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفهَ نفْسَه» [البقرَة:130] : وقَد يجوزُ في النفس أن تكونَ منصوبةً لا على تضمين فعلٍ آخَرَ ولكنْ على التَّمييز المَنقولِ عن الفاعِل؛ وأصلُه: سَفِهَتْ نَفْسُه، أي خَفَّت وطاشَت فنُقلَ الإسنادُ من النّفسِ إلى صاحِبِها، على المَجاز العقليّ لوجودِ مُلابسَة بقصدِ المُبالَغَةِ في استغراقِ السّفاهةِ النّفْسَ كلَّها، ثمّ انتَصبَ الفاعلُ على التّمييز تَبييناً للإبهامِ في الإسنادِ المَجازيّ.

أمّا التّضمين بمَعْناه النّقدي، وخاصّةً في المتعلّقِ ببناءِ الشّعرِ فيدلُّ على صفةٍ مذمومةٍ في الشّعر، فالتّضمينُ فيه أن يَكونَ البَيتُ الواحدُ مُعلّقاً بالبَيتِ الثّاني لا يَتمُّ مَعناه إلاّ به. وإنما يُحمدُ البَيتُ إذا كانَ قائماً بنفسه [ذكَرَه النّقّاد ويُنظر ابن عبد ربّه في العِقْد الفَريد، باب من أخبار الشّعراء]

أمّا التّضمين بمَعْناه العامّ، مثلاً في الكتابَة والتّصنيفِ، فقَد يُفيدُ مَعنى التّطعيم والتّزويد… كَما ذكَرَ الجاحظُ في مقدّمة الحَيوان في معرِضِ حديثِه عن تأليف كتابِه: «وليسَ من الأبْوابِ بابٌ إلاّ وَقد يَدخُلُه نُتَفٌ من أبوابٍ أُخَرَ على قدْرِ ما يتَعلّق بها من الأسباب، ويَعرِضُ فيه من التّضمين…»، والتّضمين ههنا يحملُ دلالةً نصّيّة نقديّةً.

علاقَةُ طَرَفي التّضمين: المُضاف والمُضاف إليه:
أورَدَ المبرِّدُ في الكامل شعراً لعبيدِ بنِ أيّوبٍ العَنبريّ، أنشدَه ثعلبٌ:

فإني وتركي الإنسَ من بعد حبِّهم … وصَبْري عَمّن كُنتُ ما إنْ أزايِلُهْ
لَكَالصّقر جلى بعد ما صاد قنية … قديراً ومشوياً عبيطاً خَرادِلُه
أهابوا به فازداد بُعداً وصَدًّه … عن القُرب منهم ضوءُ برقٍ ووابلُهْ

ووقَفَ عند قول الشّاعر: «ضَوءُ بَرقٍ ووابِلُه»، وقال: أمّا التّضمينُ قَوله: “ضوءُ برق ووابلُه”، أرادَ صَدَّه عنهُم ضوءُ برقٍ ووابلُه، فأضاف الوابلَ من المَطر إلى البَرق. وإنّما الإضافةُ إلى الشَّيء عَلى جِهة التّضْمين، ولا يُضافُ الشّيءُ إلى الشّيء إلاّ وهو غيرُه أو بعضُه، فالذي هو غيرُه: غُلام زيدٍ ودار عمرو، والذي هو بعضُه: ثَوبُ خزٍّ، وخاتَمُ حَديدٍ، وإنمّا أضافَ الوابلَ إلى البَرق، وليس هو له، كما قُلت: دارُ زيدٍ، على جهة المُجاورة، وأنّهُما راجعان إلى السّحابة، وقد يُضاف ما كانَ كذا عَلى السّعةِ، كما قال الشاعر:
حَتّى أنخْتُ قَلوصي في دِياركُم … بخيرِ مَن يَحتَذي نَعْلاً وحافيها
فأضافَ الحافيَ إلى النَّعلِ، والتَّقديرُ: حافٍ منها.

والتّضمينُ في المَعْنى أيضاً أن تقتبسَ نصّاً وتُضمّنَه نصّاً آخَر، وقَد عرَّفَ النّويريّ حُسنَ التّضمينِ، في نهايَة الأرَب [باب الكتابَة وأصْناف الكُتّاب] فقال: «حُسنُ التّضمين، فَهو أن يُضمِّنَ المُتكلّمُ كلامَه كلمةً من آيةٍ أو حَديثٍ أو مَثَلٍ سائرٍ أو بَيتِ شعرٍ»، وجَعَلَه من عُلوم المَعاني.

وبابُ التَّضمين أوسعُ من أن يُحاطَ به

رد واحد

أزمة المَفاهيم

مارس
20

لا شكّ أنّ الخطابَ الذي انتشرَ في عَهد الحَداثَة « Modernism » وما بعدَ الحَداثَة التي هي ترجمَة للمُصطلَح «post-modernism » وأحياناً يُستخدمُ مصطلحٌ آخَر post modernity وقَد يُدلُّ على المَعْنى نفسِه بمُصطلَح ثالث post-structuralism، لأنّ الحركات التي جدَّت بعد الحداثَة إنّما ظهرَت بعد تَواري البنيوية وسُقوطها. أمّا المصطلَح الثابت فهو Post-modernism وتظلّ المترادفاتُ الأخرى فُروعاً عليْه، اقتضاها تجديد الفكر وفلسفات التنظير
قلتُ : لا شكّ أنّ الخطابَ الذي بدأ ينمو وينتشرُ في مرحلَة ما بعدَ الحَداثَة أثّرَ في نشأة الأفكار والمفاهيم، وقلَبَ سلّم كثير من المبادئ؛ ومنها عودَةُ الروحِ إلى منهج الاستدلال بالحواسّ، على الإدراك والمعرفَة والتأويل، وعودة الفلسفة المادية والتجريبية والأنساق الحسّيّة… واختلافُ الحواسّ أثارَ أزمةَ الاتفاق على نتائجَ والاصطلاح على مبادئ… فباتت القضايا والمسائلُ عُرضةً للاختلاف والتغير وعدم الثبات، وباتت المَفاهيم مضطربةً والمصطلحاتُ مُختلفاً فيه

لا شكَّ في أنّنا نعيشُ أزمةَ ضبط وتثبيت وإرساء لأسس فكرية ولمبادئ منهجية ولأنساق تساعد على الإدراك السليم والتقويم السليم والنقد الصحيح، أزمة اصطلاح على المفاهيم واتفاق على أنساق الفكر ومبادئه، يكتبُ المفكرون ويُنتجون ما لا حصرَ له ولكن المعرفَة تتغير وتتبدل ولا تكاد تتطور إلا في اتجاه إعادة الإثارة واتجاه الشك والدحض Refutation وبات الواحدُ منا يقولُ : إذا رغبتُ في البحث في قضية فَمن أين البدء؟ هل من أسس أعتمدُها في المنطَلَق قبل ولوج الموضوع، هل من عَمَد قبل التحليل والنقد…

لا أدري إن كانَت الأزمةُ التي تُعانيها الكتاباتُ الفكريةُ اليومَ ناتجةً عن تضييع موجود والبحث عن مفقود، لقَد بات كثير من الكتّاب يرتقبونَ أن يصدرَ من الغرب كتابٌ مَكتوبٌ بالحرف اللاتيني، فكلّما ظهرَ مولود جديدٌ قلْنا لعلَّ هذا هو التَّجديد المنشود والمُعتَمَد المَفْقود والمُنقذُ من الضلال الذي تاه في متاهاته كثيرٌ من كتابنا ومفكّرينا.

كَم سمعْنا في عصر الحداثَة وما بعدَها أيضاً، من عبارات غير بريئة وكأنّها ضربة لازم لا تُناقشُ ولا تُرَدُّ، منها: سُلطة الفكر وسُلطة المفكّرين وسلطة العلماء وهيمنة الفقهاء وأزمة التعليم ووجوب إصلاح التعليم، بل أدخِلَ التعليمُ -في العالَم العربي- في متاهات إصلاحية لا تنتهي، لأنه أريدَ له قَسْراً وعَدْواً أن يعكسَ العصرَ ويتبعَ حركَةَ المجتمَع ويستجيبَ لتغير الساحات والأصعدَة، ولم يُرَدْ لتلكَ العَوالم المادّيّة أن تُنصتَ إلى الفكر والعلم التعليم، فلا وصيَّةَ للفكر ولا وصايَةَ ولا تأثيرَ، وعليْه أن يظلَّ سلبياً وألاّ تنقلبَ الصّورة المُكبَّةُ على وجهِها، لا ينبغي لمؤسساتِ العلم والفكرِ والتعليمِ أن تَقودَ حركةَ المجتمَع والاقتصاد والسياسَة… لَقَد ضاعَت سلطةُ العلماء والمفكرين والمربين ومُكِّنَ الساسةُ وأصحابُ المال والأعمال والاقتصاد والسياحَة من السلطة كلها، نُزعَ الحَلُّ والعَقدُ من أيْدي العُلماء والمُصلحين والفلاسفة والمفكّرين وقُدِّمَ عليْهِم صنفٌ غريبٌ من الناسِ أطلِقوا على المعرفَة والثقافَة والفكر، وقيلَ لهم ابحثوا فيها عمّا يغذي مشاريعَكم التّوسعيةَ وسلطاتكم السياسية، واتركوا ما لا يصلحُ منها، فضاعَت بهذا الانقلابِ والانقضاضِ قيمٌ كثيرةٌ وفقَد الإنسانُ ذاتَه فباتَ يبحثُ عنها في كلّ شيء.

تعليقان 2