مواضيع أبريل, 2016

قراءَة في كتاب: «الزّمن في العربيّة، من التّعبير اللّغوي إلى التّمثيل الذّهني (دراسة لسانية إدراكية)» للدكتورة جنان بنت عبد العزيز التميمي

أبريل
02

قراءَة في كتاب:
«الزّمن في العربيّة، من التّعبير اللّغوي إلى التّمثيل الذّهني (دراسة لسانية إدراكية)»
للدكتورة جنان بنت عبد العزيز التميمي 
من إصدارات كرسيّ د.عبد العَزيز المانع لدراسات اللغة العربية وآدابها ،جامعة الملك سعود،
ط.1، 1434هـ/2013م
تقديم: عبد الرحمن بودرع10003908_10152069507367582_1332294094_n
أصدرَ كرسيّ الدّكتور عبد العَزيز المانع لدراسة اللغة العربيّة وآدابها، كتاباً عنوانُه: « الزّمن في العربيّة، من التّعبير اللّغوي إلى التّمثيل الذّهني، دراسة لسانية إدراكية». للدّكتورة جنان بنت عبد العزيز التميمي،العضو في هيئة التدريس في قسم اللفة العربية بجامعة سَلمان بن عبد العَزيز، والحاصلة على دكتوراه الفلسفة في اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود، وصاحبة بحوث ودراسات، منها: النحو العربي في ضوء اللسانيات الحديثة (دار الفارابي 2013)، والمرأة في المَثَل الشعبي (مجلة الخطاب الثقافي بجامعة الملك سعود)، ومفهوم المرأة بين نص التنزيل وتأويل المفسرين (دار الفارابي 2012)، والحدود النّحويّة في التّراث: كتاب التّعريفات للشّريف الجُرجاني أنموذجاً (2008).
* يقعُ موضوعُ الكتاب في إطارِ اللّسانيات الإدراكيّة التي تدرسُ قُدرةَ الإنسان اللغويّة، وطريقَتَه
في تقسيم العالَم وإدراكه وتسميته، ويُفيدُ هذا الضّربُ من البُحوث في معرِفَةِ ظاهرة التعبيرِ الزّمنيّ، وطريقةِ تأويل العَقْلِ العربيّ للزّمنِ وعلاقَتِه بالأبعاد الأخرى كالمكانِ والعَدَد والتَّشْخيصِ والمدركات التّجسيديّةِ وغيْرِها، وطريقةِ اللغةِ العربيّةِ في إدراك مفهوم الزّمنِ وتقسيمِه وتنظيمِ رؤيتِه للعالَم وتمثُّلِه على هيئةِ بنياتٍ ذهنيّةٍ، بناءً على مَفْهوم الزّمَن.
* وقد اجتهدَ البحثُ في رَصد العباراتِ الزّمنيّةِ في المدوّناتِ اللّغويّةِ العربيّةِ، من خلالِ مرجعيّةٍ كبيرةٍ تختزنُ طاقةً ثقافيّةً زمنيّةً هائلةً، وقد استَفادَت الباحثةُ كثيراً من هذه المرجعيّةِ الكَبيرَة واستمدّت منها المفاهيمَ الـمُمثّلةَ للصورِ الذّهنيّةِ حولَ الزّمَن، فقَد اعتمَدَ البحثُ على المعاجم العَربيّةِ وكتُب الأدَب وفنّ الشّعرِ، وكتُب التّاريخِ والحَديث والفقه والتّفسير والسياسَة الشّرعيّةِ، وكتُب البلاغة الاستعارَة والدّلالة والأمثال والفُروق اللّغويّة، وكتُب اللسانيّات الحَديثَة والفكرِ وعلم النّفسِ الإدراكيّ. وقَد أسعَفَت هذه المصادرُ والمراجعُ، عربيُّها وعَجَميُّها، في استخراجِ المعجمِ الزّمنيّ في اللّغة العربيّة، واعتمادِه أساساً طريقاً للتّوصُّلِ إلى المستوى اللغويّ التّمثيليّ، ومنه إلى بُلوغِ الـمَرام في هذا البَحث، وهو: البنيةُ الزّمنيّةُ للغةِ العربيّة في العَقلِ العربيّ، ومعرفَة ما إذا كانَ الزّمنُ في التّصوّرِ العربيِّ؛ -وهو أنّ الـمُستقبَل قادمٌ من الأمامِ ومتّجهٌ إلى الرّاهنِ، وذاهبٌ إلى الخَلفِ- ذا خُصوصيّةٍ وتفرُّدٍ، أو أنّ المستقبلَ الغائبَ يقعُ في الخَلفِ لأنّه مجهولٌ، وأنّ الماضِيَ المعْلومَ موقعُه الأمامُ، حسب ما يوجَد في بعض الثَّقافاتِ والأعراف؛ فأنت تَرى أنّ بعضَ الثّقافاتِ لها تصوّرٌ خاصٌّ للزّمن فهو يَدخلُ في التّــركيبَة الذّهنيّةِ والنّفسيّةِ والاجتماعيّةِ لكلّ قومٍ على حدة، ويتحدّدُ في علاقتِه بالبُعد المَكانيّ أيضاً، ولكنّه ليسَ بالضَّرورةِ أمراً موضوعيّاً مشتركاً أو حقيقةً ثابتةً بين شعوبِ الأرضِ وقَبائلِها قاطبةً. نعَم لقد ابتكَرَ العالَـمُ مَقاييسَ زمنيّةً متواضَعاً عليْها وقسَّمَ النّاسُ المسافاتِ الزّمنيّةَ تقسيماً دقيقاً يُحتكَمُ إليه في تنظيم الأعمال والعلاقات بينَهم، ولكنّ ذلِك التّصنيفَ الموضوعيَّ لم ينفِ على أيةِ حالٍ ما اصطلَحَ عليْه كلُّ شعبٍ أو مجموعةٍ لغويّةٍ أو اجتماعيّةٍ من تقسيمٍ وتصوّرٍ.
*لم يفُت الباحثةَ الكريمةَ وهي تُعالـجُ الظّاهرةَ الزّمنيّةَ، أن تنظرَ في مصادرِها ومَراجعِها التي بين يديها، وأن تُقسّمَ تلكَ المصادرَ تقسيماً منهجياً معيّناً بحسبِ قربها أو بُعدها من تصوُّر هذا البحث؛ فقد انقسَمَت إلى اتّجاهَيْن اثنين، أحدهُما أجرى تطبيقَ نظريةِ الاستعارةِ الإدراكيّةِ على بعض النّصوصِ والمدوَّناتِ العربيّةِ، والثّاني تَناولَ موضوعَ الزّمَن في اللغةِ العربيّة بمنهجٍ نحويّ تركيبيّ أو معجميٍّ دلاليّ. وأمّا الباحثةُ فقَد شقَّت لبحثِها طريقاً ثالثاً إذ اعتمَدَت منهجيةَ اللسانيّاتِ الإدراكيّةِ في مُعالجةِ ظاهرةِ التّعبيرِ الزّمنيّ. ولعلّ الأساسَ الإدراكيّ في العباراتِ الزمنيّةِ للغةِ العربيّةِ لم يَحْظَ بدراسةٍ تكشفُ عن بنيةِ الزّمنِ في الفكرِ الأدبيّ العربيّ، فكانَ هذا الكتابُ مرجعاً جديداً يفتحُ البابَ على موضوعٍ ذي جِدَّةٍ وتميّزٍ ودقّةِ تصوّرٍ؛ إنّه موضوع التعبير الزّمنيّ من وجهةِ نظرِ اللّسانيّاتِ الإدراكيّةِ وبخاصّةٍ من وجهةِ نظرِ الاستعارةِ الإدراكيّةِ، أبدَعَت فيه صاحبتُه إبداعاً فتَحَ لها البابَ أمامَ كلّ ما كُتبَ وصُنِّفَ في علوم العربِ وآدابِها وفُنونها ودواوينِها، لتصيرَ المكتبةُ العربيّةُ مرجعاً صالحاً للتنقيبِ عن الزّمن العربيّ والتّنقيرِ عن مكوِّناتِه وأبعادِه. لَقَد خرقَت الكاتبةُ ببحثِها هذا التّصوُّرَ النّمطيّ للزمن في العربيّة، الذي كان سائداً في الدّرس اللغويّ والأدبيّ القَديم، والدّراساتِ النحويّةِ واللسانيّة، حيثُ سادَ اعتقادٌ جامدٌ مفاده أنّ الزّمَنَ مرتبطٌ بمقولاتٍ نحويّةٍ صرفيّةٍ لها مُصطلحاتُها وألفاظُها، وعُبِّر عن بعض تلك المفاهيم النّمطيّة بظروف الزّمان والمكانِ، وبأسماء الزّمان والمَكان الـمُبْهَمَة، وبالزّمن الماضي والحاضر وبالحال وبدلالةِ الصّيغِ الصّرفيّةِ على الزّمَن…
* ومن أهمّ ما طبعَ منهجَ البحثِ أيضاً عنايةُ الباحثةِ بالمصطلَح، فقَد توقّفَت عند المصطلَح الأدقّ الأنسَب لبنية بحثها؛ من ذلكَ تفضيلُها مُصطلَح الإدراك والإدراكيّة على كثيرٍ من المصطلَحات الـمُستعمَلة اليومَ في اللسانيّاتِ العربيّة الـمُعاصرَة كالمعرفة والعرفان والعَرفَنَة… ودعمت اختيارَها للمصطلَح هذا، بالعلل الوافية التي تُختصَر في :
– الحرصِ على رَفع اللَّبس، الذي يُحدثُه كلُّ مُصطلحٍ من المصطلَحاتِ لـمَتروكَة.
– وموافقَةِ “الإدراكيّة” للعلوم التي تُعْنى باختصاصاتِ الفلسَفَة وعلم النّفس والذّكاء الاصطناعيّ وطرُق الذّهن في امتلاكِ المعرفَة…
– ومُناسَبَة الـمُصطلَح الـمُنتقى في هذا البَحث، للكلماتِ المألوفَة في المعاجم العربيّة وكتبِ الفُروقِ اللّغويّة. ويُعدُّ تحقيقُ مناسبة المصطَلَح لِما تداوَلَه العُلَماءُ قديماً من مفرداتٍ، اختياراً منهجيّاً سديداً يصلُ حاضرَ العلمِ بماضيه، ويؤسِّسُ للتّأصيلِ، ولمُواكبَةِ المَوْروث للعصر.
* اعتمَدَت الباحثةُ منهجَ الوَصفِ والتّحليلِ، فقَد تناولَت بهذا المنهجِ عدداً كبيراً من النّصوصِ العربيّةِ مُستخرِجةً منها العباراتِ الزّمنيّةَ ومُصنِّفةً إيّاها إلى أصنافٍ بحسبِ البُعد الإدراكيّ الذي ينتمي إليه كلُّ صنفٍ على حِدَة، ومركِّزةً على تأثيرِ الَمعارفِ والـمُدْرَكاتِ والثَّقافاتِ في تصوُّرِ البُعدَيْن الزَّمنيّ والمكانيّ، واتِّخاذهِما نُقطَتَيْن مرجعيتيْن في تَحْديد الأشياءِ والـمَفاهيم.
واقْتَضى هذا المنهجُ أن تَقفَ الكاتبةُ على كلِّ العَناصِرِ المؤلِّفَةِ لمادَّةِ البحثِ عن الزّمن في التصورِ العربيّ وعناصرِه، وعلى رأسها عُنصُرُ الاستعارَة الإدراكيّة، التي تُهيمنُ على الفكر والسُّلوك والنَّسقِ التّصوُّري عموماً، ثمَّ عُنصُرُ البُعد الـمَكانيّ في عَلاقتِه بالزَّمَن، ثم عُنصرُ البُعد التَّجْسيديّ، ثمّ عُنصرُ بُعد المقِياسيّ. وهذه أبعادٌ تُهيمنُ على الإنسانِ في تصوّرِه للزّمَن.
فأمّا البُعدُ المكانيّ فأهميتُه وخطرُه، في أنّه أداةٌ لبناءِ مفهومِ الزّمَنِ، لأنّ المَفاهيمَ التي يؤلِّفُها العربيُّ عن الزّمَنِ مُستمَدّةٌ من مَفهوم المَكان ومبنيةٌ عليه وبُعدٌ من أبعادِه، فللزّمن العربيّ مَكانٌ، وله خطٌّ وامتدادٌ يضربُ في الماضي والحاضرِ والمُستقْبَل، ومَكان الماضي وراءَ المتكلّمِ، وحاضرُه مركزُ وجوده، ومُستقبَله أمامَه، والزّمَنُ رحلةٌ تُشدُّ لها الرِّحالُ، وطريقٌ يُقطَعُ ومساحةٌ مكانيةٌ تحلُّ فيها الأشياءُ، والزّمنُ منزلُ الإنسانِ ومأواه، ومَكانٌ لإخفاءِ الأشياءِ والذّكرياتِ، ومَوقعٌ للأحداثِ.
وأمّا البُعدُ التّشخيصيّ فمفاده أنّ العربيَّ « يستخدمُ الشّخصَ في بناءِ مَفهوم الزَّمَن »، ويُبْنى الزّمَنُ ههنا بمَفاهيمَ وعلاقاتٍ مُستمدّةٍ من الأشخاصِ، فالزّمَن تُستَعارُ له أفعالُ الإنجازِ البشريّةُ فهو يُعطي ويمنعُ ويأتي ويَمضي، وله صفاتُ البَشَرِ وأفعالُهم ومشاعرُهم، فهو «يُغيرُ كالجَيشِ ليُخفيَ ضوءَ الصّباحِ» وهو كالمرأة «تحبل وتَلِدُ وتجهضُ» ويتزيّنُ بالحليّ كالنّساءِ؛ فالزّمَنُ امرأةٌ، وله دورةٌ كدورةِ حياةِ الإنسانِ، وله صفاتُ أجسادِ البشر وأعضائهم، وهو جَليسُ الإنسانِ، وعدوٌّ محاربٌ…
وأمّا البُعدُ التّجسيديّ فيصوَّرُ فيه الزّمَنُ « مادةً جامدةً » و «مادّةً سائلةً» تجري كالنّهر، وستاراً، و لَوْناً، ومالاً ذا قيمة، والزّمنُ كتابٌ، والزّمنُ شجرةٌ ذاتُ أغصانٍ، أغصانُها السّنون والشّهورُ وأوراقُها الأيّامُ، فالزمنُ ذو قيمٍ وصفاتٍ تجسيديّةٍ مُستمدّةٍ من الطّبيعَة الصّامتةِ، التي تُحيطُ بالعربيّ .
وأمّا البُعدُ المقياسيّ للزمنِ فيبدو في لُجوءُ العربيّ إلى قياسِ الأوقاتِ بحركاتٍ معيّنةٍ وأماراتٍ ودلالات؛ كحالاتِ ظلّ الشّمسِ وحَرَكات الطّبيعَة وحَرَكة الأشياء، بل يتخذُ الإنسانُ نفسَه مقياساً لتحديدِ المدّة الزّمنيّة، تبعاً لحركات الأعضاء والوظائف التي في جسمِه، فيتحسّسُ المدّةَ الزّمنيّةَ بما أوتِيَه من إدراك وإحساسٍ، وكأنّه يقيسُ بمقياسٍ موضوعيّ يعتَمِدُه، وقد يقيسُ بالأجرامِ السّماويّة وبحركة النّجومِ والكَواكب والأقمار .
وانتهَت الباحثةُ إلى أنّ العربَ اتّخذوا أبعاداً غير زمنيّةٍ لقياسِ الزّمنِ، فقَاسواالزّمَنَ بالمَكانِ، وقاسوا بالبُعد التّجسيديّ والبُعدِ التّشخيصيّ والبُعد المقياسيّ، وأشهر الأبعاد المُتّخَذَةِ في تصوُّر الزّمن التّصوّر التّشخيصيّ الذي يصوّرُ الزّمنَ على هيئة شخصٍ.
وختَمَت البحثَ باقْتراح جملةٍ من المواضيع والمشروعات التي تشتركُ في الأساسِ الإدراكيّ وتختلفُ في مادّةِ التّطبيقِ، وفي هذا الاقتراحِ ما يُفيدُ أنّ المقاربَةَ الإدراكيّةَ زاويةٌ مركزيّةٌ من زَوايا النّظرِ إلى الأشياءِ تُمكّنَ الباحثينَ من الإمساكِ بالآلياتِ الرّئيسَة.
هذا وصفٌ مٌقتضبٌ للكتابِ الجَميلِ الذي بين أيدينا، ولكنّ الوَصفَ لا يُغني عن قراءَة الأصلِ المَوصوف، والاطّلاعِ على تَفاصيلِ الفُصولِ، وما اشتملَت عليه المادّةُ المعروضَةُ من حرصِ صاحبتها على الإحاطةِ بالأمثلة والشّواهِدِ الشعريّةِ والصّورِ الشّمسيّةِ والجَداولِ البيانيّةِ.
ولا نخلُصُ إلى الخاتمةِ إلاّ بعدَ الوقوفِ عندَ علاماتٍ بارزةٍ من عَلاماتِ إنجاز هذا العملِ العلميّ الكبيرِ ذي السّمتِ الزّمنيّ الإدراكيّ المتميّزِ؛ من هذه العَلاماتِ :
– أنّ الكاتبةَ حملَت القارئَ في رحلةٍ لغويةٍ فلسفيّةٍ علميّةٍ ممتعةٍ، امتزجَت فيها اللغةُ بالفكرِ والحَياةِ والذّاتِ، واقْتَضى الوُقوفُ على الأبعادِ الفكريّة والنّفسيّةِ والاجتماعيّةِ أن تبرهنَ على ممازجةِ اللغةِ للميادين المختلفة، وأنّ الإنسانَ يعيشُ باللغة ويُفكّرُ بها ويتمثّلُ بها الأشياءَ ويُدركُ بها العالَمَ المحيطَ به
– اجتمَعَ في أسلوبِ هذا الكِتابِ أمرانِ اثْنانِ: أسلوب “العلميّة الدَّقيقة الــمُـتتبِّعَة والــمُستقْرِيَة لموادّ الموضوع وظواهرِه وأمثلتِه وعلاقاتِ تلك الظّواهِرِ بعضِها ببعض، والأمرُ الثاني: أسلوب “الشاعرية” والتّذوق للنصوص الفَصيحة التي فيها القيم الزمنيةُ طافحةً مُترعةً بعباراتٍ ذاتِ ظلالٍ وارفةٍ وحواشٍ رقيقةٍ تُعينُ على الْتقاطِ دَقائق الموضوع بالذّوقِ الشعريّ الرّائعِ والسّمتِ الفنّي الرّاقي. فهو أسلوبٌ علميّ في إهابٍ شعريّ بَلاغيّ؛ يدلُّك على ذلِك صيغةُ العناوين المجازيّة وحمولتها الاستعاريّة وشحنتُها البلاغيةُ: -مكان الماضي خلفنا -الحاضر مركز وجودنا –المُستقبَل أمامَنا –الزّمنُ طريقٌ –الزّمنُ مأوى –الزّمنُ مَكانُ إخْفاء –الزّمن امرأة –الزّمنُ يتنفّسُ –الزّمنُ له رأس ووجه وعينانِ وظهرٌ ومنكبٌ ويدٌ، وهو يسمعُ وينطقُ وله أخلاقٌ –وهو جليسُ الإنسان وعدوٌّ وقاتلٌ وسلطةٌ حاكمةٌ –والزمنُ مادّة جامدةٌ ونهرٌ جارٍ وستارٌ ورداءٌ ومالٌ يُستثمَرُ وكتابُ تُقرأ فيه الحِكَمُ وشجرةٌ ذاتُ أغصانٍ وأوراق
فللعناوينِ شاعريّةٌ عاليةٌ وقوةٌ إيحائيّةٌ ، التي تضعُ القارئَ في عُمقِ الحقلِ الدّلاليّ للزّمن . وأبلغُ العناوينِ وأمهرُها تلك التي تقرأ لك ما تحتَها ، وأجملُ الكُتُبِ ما قُرئَ من عُنوانِه
أمّا العنوانُ الأكبرُ، عنوان الكتابِ: الزمن في العربية: من التعبير اللغوي إلى التمثيل الذّهني، دراسة لسانية إدراكية، ففيه إبداعٌ وصنعةٌ وحُسنُ انتقاءٍ : تعميم في الأول، ثم تخصيص وحصر، ثم تحديد لمنهج الدراسَة
وهكذا فالبحثُ في موضوع الزمن مُغرٍ وصعب؛ وفلسفته شاقةٌ، ولكنّ نشوة الظفر بالجديد لا تخلو من مشقة، والقارئُ يظفرُ من هذا الكتابِ بجدّةٍ وعُمقٍ وجودةٍ .

رد واحد