منهج المعرِفَة عند عُلَماءِ العربيّة (6)

يوليو
04

و يُحدّثنا محمّد بن سلاّم الجمحي عن أخذ الشّعر من غير سماعٍ فيقول: «وقد تداوله قوم
من كتاب إلى كتاب ، لم يأخذوه عن أهل البادية ، و لم يعرضوه على العلماء، و ليس لأحد
– إذا أجمع أهلُ العلم و الرّواية الصّحيحة – على إبطالِ شيء منه ، أن يقبلَ من صحيفةٍ ،
و لا يُرْوى عن صُحفيّ »(1) ، بل يُروى عن سامع حافظٍ لا يعتري أكثرَ محفوظاتِه النّسيانُ ؛
لأنّ النّسيان طريق إلى الاختلاف و النّظر ، و الحفظ طريق إلى الاتّفاق و العلم و الرّواية .
و قد تَقرّر أنّه « إذا اختلفت الرّواةُ فقالوا بآرائهم و قالت العشائرُ بأهوائها ، و لا يُقْنعُ النّاسَ
مع ذلك إلاّ الرّوايةُ عمّن تقدّم » (2) .
و كلامُ الصّحفيّ مردودٌ لأنه أسقط شرطًا منهجيًّا في تحصيلِ المعرِفة، هو السّماعُ (3)،
و اعتمدَ على الصُّحفِ المكتوبة ، فمن ضمّنَ كتبَه صحُفَ العلماءِ و لم يعتمد التّلقّي عنهم
سماعًا ، قدحَ النّاس فيه و طعنوا عليه (4) . فالرّواية بالسّماعِ شرط في صحّة العلم و استقامةِ
الأخذ . و قد نظَر العلماء في طُرق العلم والمسالك التي يتمّ بها تحصيلُه و إدراكُه فوجدوها
ثلاثةً : هي الحسّ و الخبرُ والنّظرُ ؛ « فالحسّيّاتُ يضطرّ إليها الإنسان بغيرِ اختيارِه » ،
و « أهلُ السّمعِ لهم أخبارٌ منقولاتٌ »، و « النُّظّار لهم قياسٌ و معقول » (5) ، و لكلّ منهج
طريقُه؛ فطريق الحسّ الإدراكُ المباشر ، و طريق السّماع النّقلُ و السّنَد ، و طريقُ النّظرِ
القياسُ . و طريق السّماعِ تحصِّل من العلم الأوّل بالتّواتر و السّند المتّصل ما لا يستطيعُ
النّظرُ أن يحصِّلَه ؛ إذ إنّ النّظرَ نفسَه يحتجّ بالأدلّة السّمعيّة الخبريّة في المطالبِ الدّينيّة .
يتبيّن بذلك أن السّماع شرطٌ في صحّة العلم ، و الرّواية عن متقدّم شرط آخر في ذلك ؛
لأن المتقدّم مشرِّع أو قائمٌ مقام المشرّع موقِّعٌ عنه ، و لكلّ علم متقدِّمٌ يُروى عنه و يُسمع
و يؤخذ .
المتقدّم مشرّع أو قائم مقام المشرّع ، و لكلّ متقدّم مقدَّمٌ ؛ فقد ذهبوا في علم العربيّة
إلى أن « أول من أسس العربيةَ و فتح بابها و أنهج سبيلَها و وضعَ قياسَها أبو الأسود
الدّؤَلي » (6) ، و قيل لأبي الأسود الدّؤلي : « من أين لك هذا العلمُ ؟ – يعني النّحو – فقال:
لَقِنْتُ حدودَه من عليّ بن أبي طالبٍ » (7) ، و قالوا عن عبدِ الله بن أبي إسحاقَ الحضرميّ :
« كان أوّل من بعجَ النّحو و مدَّ القياسَ و شرح العلل » (8).
و لا يُهمُّنا في هذا الموضع التّحقيقُ في نشأةِ العلوم و تحريرُ القولِ في أوّلياتِها و البحثُ
عن المؤصِّلين ؛ فذلك أمرٌ تاريخيّ يغلبُ فيه الاختلافُ بين النّاس ، و قد أسهب المؤرّخون
و أصحابُ الطّبقاتِ و التّراجمِ في البحثِ عن أول واضعٍ للعلم (9)، و أطالوا في ذلك في فواتحِ
كتُبهم ، و كلّ خرج برأيٍ يرى أنّه فيه محقّقٌ مدقّقٌ . و من الباحثين من ذهب إلى أن نسبةَ
وضع النّحو إلى علي رضي الله عنه “حديثُ خرافة” (10) ، و لا تُناسِب طبيعة الفكر في زمنه ،
و تأبى هذه الطّبيعةُ تلك التّعاريفَ و التّقسيماتِ التي نسبوها إلى رجالِ ذلك الزّمن ، لتبقى
خالصةً لكلّ ما يتناسب مع الفطرةِ ، ممّا ليس فيه تعريف و لا تقسيم كوضعِ أبي
الأسود لنقطِ المصحف . و إنّما نورِد هذه النّصوص التي تتحدّث عن الواضعين الأُول لتبيين
أن الاستنادَ في الرّوايةِ إلى أولِ مسموعٍ عنه أو أولِ واضع أمرٌ أساسيّ يدخلُ في التّركيبِ
الذّهني لنظرِ اللّغويّين و النّحويين و غيرِهم من العلماءِ
و إحالةُ المؤرِّخين إلى أبي الأسود أو غيرِه من المتقدّمين ، تُفسّر أنّهم اعتنوا به ؛ لأنّه من
الأولين الذين سمعوا كلامَ العربِ من أفواه أصحابِه ، و نقلوه و نظروا فيه . فكلامه موثَّق لأنه
منقول عن موثوقٍ به . و تُعدّ كتب النّحو المتقدّمةُ ككتابِ سيبويه أنموذجًا للتّحديث أو السّماع
من العرب أو ممّن سمع عن العرب ، و يظهر ذلك جليّا في أقوالِه ذاتِها ، ممّا فيه استناد صريح
إلى السّماع عن العرب ، نحو قولِه : « سمعتُ من أثقُ به من العرب »(11) ، فإذا غاب السّماعُ
ناب عنه القياسُ ، مثلما ينوبُ السّامعُ عن المسموعِ عنه الأوّل(12) .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) [طبقات فحول الشّعراء: 1/4]
(2) [طبقات فحول الشّعراء: 1/24]
(3) عرّف أبو البركات الأنباري السَّماع في اللّغة بأنّه « ما ثبت في كلام من يوصف بفصاحته » [لُمَع الأدلّة: 81]،
و للسّماع أثر أقوى من غيره في نقل العلم ، و على رأس العلوم القراءات ، و أئمّة القرّاء « لا تعملُ في شيء
من حروف القرآن على الأفشى في اللّغة و الأقيسِ في العربية ، بل على الأثبت في الأثر و الأصحّ في النّقل .
و الرّواية إذا ثبتت عندهم لم يردّها قياس عربيّةٍ و لا فشوّ لغة ؛ لأن القراءةَ سنّة متّبعة يلزَم قَبولُها و المصيرُ إليها»
[النشر في القراءات العشر: 1/10] للحافظ ابن الجزري .
(4) انظر في هذا الشّأن قصّة رواها أبو الحَسَن القفطي في كتابه : [إنباه الرّواة على أنباه النّحاة: 1/144-145] .
(5) [الفتاوى: 13/75] لابن تيميّة .
(6) [طبقات فحول الشّعراء: 1/12]
(7) [إنباه الرواة: 1/50] و [طبقات النّحويين و اللغويين: 2] لأبي بكر الزُّبَيدي .
(8) [طبقات فحول الشّعراء: 1/14] .
(9) كقول الرّازي إن نسبةَ الشّافعي إلى أصولِ الفقه كنسبة أرسططاليس إلى علم العقل ، انظر : [مناقب الشّافعي: 57]
(10) [ضحى الإسلام: 1/245 ، 2/285] للأستاذ أحمد أمين .
(11) [الكتاب: 1/230 ، 1/396 ، 2/418]
(12) قال الرّازي في هذه المسألة : « الطّريقُ إلى معرفةِ اللّغة إمّا النّقلُ المحضُ كأكثرِ اللّغة ، أو استنباط العقلِ من
النّقل… فأمّا العقلُ الصّرف فلا مجالَ له في ذلك » : كتاب المحصول نقلاً عن [المزهر: 1/57] للسيوطي .

رد واحد

رد واحد على موضوع “منهج المعرِفَة عند عُلَماءِ العربيّة (6)”

  1.  elmejdki hafssa

    العناصر غير اللغوية في صياغة المعنى
    ينبغي التأكيد في البداية على أن الوحدات الكلامية للغة الطبيعية ليست مجرد سلسلة أو خيوطا من صنع الكلمات، فهناك مكون لا كلامي يفرض دائما بالضرورة فوق المكون الكلامي في كل وحدة كلامية محكية.
    إن هذه المميزات غير الكلامية للوحدة الكلامية مهمة في تحديد معناها كأهمية معنى الكلمة والمعنى النحوي ويدخل كلاهما في المكون الكلامي(1).
    إن الناظر في اللغة على وجه التقعيد والوصف والتفسير ينتهي بالضرورة إلى اعتبار المتغيرات الخارجية التي تكتنف المادة اللغوية واستعمالاتها(2)، وذلك لأن المعنى القاموسي أو المعنى المعجمي ليس كل شيء في إدراك معنى الكلام فثمة عناصر غير لغوية ذات دخل كبير في تحديد المعنى، بل هي جزء من معنى الكلام وذلك كشخصية المتكلم وشخصية المخاطب وما بينهما من علاقات وما يحيط بالكلام من ملابسات وظروف ذات صلة به(3).
    إن مراعاة هذه الاعتبارات المختلفة تمثل الاتجاه الصحيح والضروري في الكشف عن المعنى وتطبيق هذا المنهج ينبغي أن يصدق على النصوص المنطوقة ذات المقام الحاضر الحي كما ينبغي أن يصدق على النصوص ذات المقام المنقضي والذي يمكن أن يعاد بناؤه بالوصف التاريخي، ومن هنا تأتي قيمة هذا المنهج لدراسة كتب التراث العربي، وإن الاكتفاء بالمعنى الحرفي أو معنى المقال أو معنى ظاهر النص يعتبر دائما سببا في قصور الفهم(4).
    ولما كانت الظواهر اللغوية خاضعة لضغوط مقامية واعتبارات غير لغوية، وكانت مراعاة هذه الاعتبارات ضرورية وددت أن أقف عند فكرتي “المقام” و “المتكلم والمخاطب” نظرا لما لهما من صلة بخلق الدلالات وتوجيهها بالتضافر مع المكونات الكلامية ذات الصلة بالبنى النحوية.

    1 – نظرية المقامات ومقتضيات الأحوال:
    إن الافتراض الأساس –كما يقول جي آرفرث- أن كل نص يعتبر من مكونات ظرف معين(5)، ولهذا لا يمكن بحال نكران تأثير دلالة سياق النص اللغوي وسياق الموقف الملابس له على العناصر النحوية من حيث الذكر والحذف والتقديم والتأخير والتعريف والتنكير.
    لقد كانت فكرة السياق أو المقام هي المركز الذي يدور حوله علم الدلالة الوصفي في الوقت الحاضر وهو الأساس الذي ينبني عليه الوجه الاجتماعي من وجوه المعنى وهو الوجه الذي تتمثل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي تسود ساعة أداء المقال(6).
    وإذا كان تحليل المقال في سياقه المقامي واجبا في اللسانيات الاجتماعية والتاريخية والنفسانية فإنه في مجال التحليل الأسلوبي أوجب، وسوف ترد الإشارة إلى أن الاختيارات الأسلوبية لا تحكمها ظواهر اللغة الخالصة فحسب(7) بل تحكمها كذلك محددات المقام ونعنى بها الخصائص التي تحدد الظرف الاجتماعي الذي سيق في إطاره الكلام، لأن القيمة الفنية كما يقول حمادي صمود قيمة سياقية تبرز من تلاحم عناصر النص وتماسكها ونظمها(8).

    أ – تعريف المقام:
    يقول الدسوقي في حاشيته على السعد: “مقامات الكلام: الأمور المقتضية لاعتبار خصوصية ما في الكلام”، وإذا اختلفت المقامات لزم اختلاف مقتضيات الأحوال لأن اختلاف الأسباب في الاقتضاء يوجب اختلاف المسببات(9)، إذ الاعتبار اللائق بهذا المقام غير الاعتبار اللائق بذلك واختلافها عين اختلاف مقتضيات الأحوال(10).
    ومقتضى الحال في التحقيق هو الكلام الكلي المكيف بكيفية مخصوصة على ما أشير إليه في المفتاح(11).
    والحال أمر يقتضي أن يُؤتى بالكلام على صفة مخصوصة تناسبه كالإنكار مثلا إذا اقتضى أن يورد الكلام مع صاحب ذلك الإنكار مؤكدا، فالكلام الموصوف بالتأكيد مقتضاه،(12) فمثلا كون المخاطب منكرا للحكم حال يقتضي تأكيد الحكم، والتأكيد مقتضى الحال.
    وقولك له: “إن زيدا في الدار مؤكَّدا بِـ “إن” كلام مطابق لمقتضى الحال”(13).
    وهذا يدل دلالة واضحة على أن “مقامات الكلام متفاوتة فمقام التشكر يباين مقام الشكاية ومقام التهنئة يباين مقام الترهيب ومقام الجد في جميع ذلك يباين مقام الهزل، وكذا مقام الكلام ابتداء يباين مقام الكلام بناء على الاستخبار أو الإنكار، ومقام البناء على السؤال يغاير مقام البناء على الإنكار، جميع ذلك معلوم لكل لبيب، وكذا مقام الكلام مع الذكي يغاير مقام الكلام مع الغبي، ولكل من ذلك مقتضى غير مقتضى الآخر(14).
    وعلى هذه المقامات تتوزع الظواهر الأسلوبية من تقديم وتأخير وتعريف وتنكير وحذف وذكر وقصر وفصل ووصل وإيجاز وإطناب لتحصل المطابقة المطلوبة التي جعلت أساسا لتعريف البلاغة.
    وانطلاقا مما سبق يظهر أن الحال والمقام متقاربا المفهوم، والتغاير بينهما اعتباري فإن الأمر الداعي مقام باعتبار توهم كونه محلا لورود الكلام فيه على خصوصية ما، وحال باعتبار توهم كونه زمانا له، وأيضا المقام يعتبر فيه إضافته إلى المقتضى فيقال: مقام التأكيد والإطلاق والحذف والإثبات، والحال يضاف إلى المقتضى فيقال حال التنكير وحال خلو الذهن وغير ذلك(15).
    وقد كان صاحب مواهب الفتاح أكثر وضوحا وجرأة حين ساوى بين المقام والحال في قوله: “فتقرر بهذا أن المقام والحال شيء واحد، وكذا الاعتبار ومقتضى الحال، وأنه لا فرق بين المقام والحال في الحقيقي”(16).
    ومن المصطلحات التي تستعمل استعمال المقام والحال الموضع والمقدار والأقدار والمشاكلة والمطابقة والاقتضاء والظرف والسياق، وجميعها فروع عن أصل ثابت في تفكير اللغويين العرب وإن لم يتبلور على الصعيد الاصطلاحي هو فكرة المناسبة والملاءمة(17).
    ويسميه القنوجي “بساط الحال”(18) ويسميه جي آرفرث ” سياق الظرف”(19) وورد في كتاب “النظريات اللسانية والبلاغية عند العرب” باصطلاح “المطابقات النحوية”(20).
    إن المقام “هو الرصيد الحضاري للقول وهو مادة تغذيته بوقود حياته وبقائه ولا تكون الرسالة بذات وظيفة إلا إذا أسعفها السياق بأسباب ذلك ووسائله”(21).
    والمقامات هي جملة الظروف الحافة بالنص بما في ذلك السامع نفسه ولئن لم يضبطها البلاغي العربي ضبطا نظريا فإن تواتر استعمالها كفيل بأن يعطي القارئ فكرة ضافية عن المراد منها وهو إجمالا التلاؤم بين نوع الحديث وملابساته ونوع اللفظ فللجد موضع وشكل وللهزل موضع وشكل…(22)
    يقول تمام حسان: “فالذي أقصده بالمقام ليس إطارا ولا قالبا وإنما هو جملة الموقف المتحرك الاجتماعي الذي يعتبر المتكلم جزءا منه كما يعتبر السامع والكلام نفسه وغير ذلك مما له اتصال بالتكلم وذلك أمر يتخطى مجرد التفكير في موقف نموذجي ليشمل كل جوانب عملية الاتصال من الإنسان والمجتمع والتاريخ.. والغايات والمقاصد.(23)”
    ويشترط في الكلام حتى يكون بليغا أن يطابق تلك المقتضيات، فتتم المطابقة بين اللفظ والمعنى والكلمة، والكلمة والكلمة والكلام والمستمع والظروف الخاصة بكل خطاب والتي تتجدد في كل لحظة.
    ب – المقام واللغويات العربية:
    لقد اهتدى علماء العربية في وقت مبكر من، تاريخ العلوم اللغوية والبلاغية إلى ما يحف بظاهرة الكلام من الملابسات، كالسامع والمقام وظروف المقال وكل ما يقوم بين هذه العناصر غير اللغوية من روابط، والأمثلة كثيرة على أصالة هذا المبدأ الفني في التراث البلاغي العربي. فقد تحدث علماء القرآن عن أسباب النزول وأفردوه بالتأليف، وتحدث علماء الحديث عن أسباب الورود وتحدث الأدباء والنقاد عن أسباب وظروف الإنشاد.. ومن ذلك ما أورده الجاحظ في كتابه من أجوبة فيها توجيه لما نحن فيه. فمما نقله عن بعض أهل الهند قولهم: “جماع البلاغة التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول”. وأن “لا يكلم سيد الأمة بكلام الأمة، ولا الملوك بكلام السوقة… ومدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقتهم والحمل عليهم على أقدار منازلهم”(24).كما فطن المفسرون إلى الفرق بين ظاهر القرآن وباطنه فكان فهمهم لهذا الفرق تفريقا منهم بين المعنى المقالي والمعنى المقامي.
    كما اعتنى النحاة بدورهم بالمقام الذي تتشكل فيه العناصر اللغوية، مشيرين بذلك إلى تأثير دلالة سياق النص اللغوي وسياق الموقف الملابس له على العناصر النحوية من حيث الذكر والحذف والتقديم والتأخير والتعريف والتنكير وغير ذلك مما درسه ما يعرف بعلم المعاني إذ يدرس أحوال الإسناد الخبري وأحوال المسند إليه وأحوال المسند وأحوال متعلقات الفعل.(25)
    فالوظيفة النصية تختص ببناء الحدث اللغوي (المقال) وذلك باختيار الجمل المناسبة للمقام ولقوانين النحو ولتنظيم المحتوى بطريقة منطقية مترابطة تتسق مع عملية الاتصال في مجموعها(26).
    ولعل بحث الجانب البلاغي عند سيبويه بما في ذلك فكرة المقام من البحوث البكر التي يجب أن تنصرف إليها الهمم. يقول نهاد الموسى: “وكنت نظرت في سياق بحث مختلف في كتاب سيبويه ألتمس فيه هذا العنصر من عناصر التحليل فوجدته منذ ذلك العهد المبكر يفزع إلى “السياق” والملابسات الخارجية وعناصر المقام ليرد ما يعرض في بناء المادة اللغوية من ظواهر مخالفة إلى أصول النظام النحوي طلبا للاطراد المحكم وهو يوافق فيما صدر عنه في الكتاب ملاحظات كثيرة مما تنبني عليه الوظيفة ومناهج “التوسع” أو اللغويات الخارجية بعبارة دي سوسير”(27)
    وسيبويه يجمع في كتابه بين التفسير اللغوي وملاحظة السياق ولا يقف عند الجانب اللغوي الخالص المنسجم مع نظرية العامل بل يتسع في تحليل التراكيب إلى وصف المواقف الاجتماعية التي تستعمل فيها وما يلابس هذا الاستعمال من حال المخاطب وحال المتكلم وموضوع الكلام “كما تنبه إلى دور السياق في أمن اللبس وتحديد البناء الجواني المقصود من البناء البراني ذي الاحتمالات”(28).
    و يبلغ سيبويه من اعتبار موقف الاستعمال أن يجعله فيصلا في الحكم بصحة التراكيب النحوية وخطئها، ومن ذلك أننا نراه يقف على الجملة الواحدة فيحكم عليها في موقف من الاستعمال بأنها خطأ، وفي موقف من الاستعمال آخر بأنها صواب، وهذه الجملة لو اكتفى بالنظرة الشكلية الذاتية جملة نحوية جائزة، ولكن اللغة عنده لم تكن تنفك عن ملابسات استعمالها ومقاييس اللغة عنده تستمد من معطيات النظام الداخلي للبناء اللغوي كما تستمد من معطيات السياق الاجتماعي التي تكتنف الاستعمال اللغوي.
    كما نلاحظ عناصر اللغويات الخارجية أو البعد الخارجي في التحليل النحوي في كتب شراح الشواهد النحوية بكثافة، ونخص بالذكر (خزانة الأدب) للبغدادي و(شرح شواهد المغني) للبغدادي والسيوطي… فمعنى البيت وإعرابه أحيانا لا يستقيم إلا بإرجاعه إلى سياقه ومراعاة ظروف مقامه.
    وبهذا يكون اللغويون العرب عند اعترافهم بفكرة “المقام” متقدمين ألف سنة تقريبا على زمانهم، لأن الاعتراف بفكرتي “المقام” و “المقال” باعتبارهما أساسين متميزين من أسس تحليل المعنى يعتبر الآن في الغرب من الكشوف التي جاءت نتيجة لمغامرات العقل المعاصر في دراسة اللغة(29).
    ج – أنواع المقامات وتفاوتها:
    لقد تقدمت الإشارة إلى أن بلاغة الكلام هي “كون اللفظ الفصيح معبرا عن المعنى بحسب اقتضاء الوقت الحاضر وبحسب حالة متعلق الكلام من الممدوح والمذموم وغيرهما، واقتضاء الوقت الحاضر مختلف فإن مقام التنكير أو الإطلاق من الممدوح أو التقديم أو الذكر أو قصر الحكم أو الإيجاز… غير مقام التعريف أو التقييد أو التأخير أو الحذف أو عدم القصر أو الوصل أو الإطناب”(30).
    فمقام الذكاء يناسبه من اللطائف والدقائق الخفية الحاصلة في نفس المعاني المرادة بالتلطف في التعبير بالمجازات والكنايات والإيجازات ما لا يناسب مقام الغباوة من المعاني البادية في نفسها أو بالإيضاح بالعبارات الحقيقية المتداولة(31).
    وكلام الناس كذلك في طبقات كما أن الناس أنفسهم في طبقات، فمنه الكلام الجزل والسخيف والمليح والحسن والقبيح والخفيف والثقيل وكل عربي وبكل قد تكلموا وبكل قد تمادحوا وتعايبوا(32).
    وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب، وانحطاط شأنه بعدم مطابقته للاعتبار المناسب(33).
    وهذه المقامات نماذج مجردة وأطر عامة، وأحوال ساكنة ذات مقتضيات يوزن بها السلوك الحي ويصب في قالبها، بهذا يصبح المقام عند البلاغيين سكونيا لأنه حال، أما المتحرك النابض بالحياة فهو السلوك اليومي للفرد الذي يسعى إلى مطابقة هذه القوالب الثقافية(34).
    إن التقديم والتأخير مثلا ليسا سوى نمطين يعبران عن حالة بلاغية عامة تحكم شكل البنية الإسنادية ولا يقدم أو يؤخر عنصر من عناصرها إلا حين يكون ذلك مترتبا عن شروط تداولية أعمق تتكفل بمطابقة المقال –المقدم أو المؤخر– للمقام.
    ولهذا ينبغي الإتيان بأجزاء الربط وفقا لترتيبها الطبيعي قبل أو بعد بحسب المقتضى كما يقرر أرسطو(35) لأن مقام تقديم المسند إليه أو المسند أو متعلقاته يباين مقام تأخيره(36).
    وقد تكفلت مباحث علم المعاني بإيضاح مقتضى التقديم، باعتبار أن غايتها “هي النظر الصحيح في إيجاد الفكر الصحيح المناسب لمقتضى الحال أو الاهتداء إلى ما يمكنك من أن تجعل الصورة اللفظية الخارجية أقرب ما تكون إلى صورة الفكر الداخلية كما هي في ذهن المتكلم.”(37)
    فمقتضى الحال هو الذي يتحكم في تقديم بعض المكونات على بعض.
    أما تأخير المسند إليه فلاقتضاء المقام تقديم المسند(38) وهذا كله مقتضى الظاهر من الحال وقد يخرج الكلام على خلافه أي على خلاف مقتضى الظاهر لاقتضاء الحال إياه(39).
    يقول السكاكي بعد إيراد الآيات التالية:
     (وجاء رجل من أقصى المدينة) [ القصص /19]
     (وجاء من أقصى المدينة رجل) [ياسين/19]
     (لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا)[المؤمنون/84]
     (لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا) [النمل/70]
     (إذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون)[النمل/69]
     (أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما) [المؤمنون/83]
     (فقال الملأ الذين كفروا من قومه)[المؤمنون/24]
     (وقال الملأ من قومه الذين كفروا) [المؤمنون/33]
     (آمنّا برب هارون وموسى) [طه/69]
     (رب موسى وهارون) [الأعراف /121].
    “إن جميع ما وعت أذناك من التفاصيل في هذه الأنواع من فصل التقديم والتأخير هو مقتضى الظاهر فيهما، وقد عرفت في ما سبق أن إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر طريق البلغاء، يسلك كثير تنـزيل نوع مكان نوع باعتبار من الاعتبارات فليكن على ذكر منك”(40).
    فنجاح القول إذن يضمن بمناسبته لظروف قيمية غير لغوية والمناسبة تضمن بتوخي معاني النحو وأحكامه، يقول القنوجي: “وكل معنى لابد أن تكتنفه أحوال تخصه فيجب أن تعتبر تلك الأحوال في تأدية المقصود لأنها صفاته، وتلك الأحوال في جميع الألسن أكثر ما يدل عليها بألفاظ تخصها بالوضع، وأما في اللسان العربي فإنما يدل عليها بأحوال وكيفيات في تراكيب الألفاظ وتأليفها من تقديم وتأخير أو حذف..”(41).
    ويمكن القوم مثلا إن الفرق بين “لم أقرأ هذا الكتاب” و “هذا الكتاب لم أقرأه” لا علاقة له بالتركيب النحوي أو التركيب الدلالي للجمل إنما له علاقة بنطق الجملة ذاتها في ترتيب معين من الكلمات يحدده السياق أو مقتضى الحال(42)، ولعل البلاغيين العرب حين تكلموا عن مقتضى الحال كانوا يقصدون شيئا قريبا مما أطلق عليه تمام حسان “غاية الأداء”، ومن هنا يكون مقتضى الحال جزءا من المقام وليس المقام كله(43).
    د – مطابقة المقال للمقام والدلالة:
    إن أبرز الملامح في النظر البلاغي عند العرب قام على اشتراط “موافقة الكلام لمقتضى الحال”، واستشعر المقولة السائدة “لكل مقام مقال” ورصد على وجه التفصيل ما يكون من تأثير السياق، سياق الحال خاصة وهي حال المتكلم والمخاطب وسائر ما يأتلف منه “المقام” ورصد ما يكون من تأثير ذلك في تشكيل الكلام وتأليفه على هيئات في القول تتنوع وفقا لتنوع المقامات(44).
    وحين قال البلاغيون “لكل مقام مقال” “ولكل كلمة مع صاحبتها مقام”(45) وقعوا على عبارتين من جوامع الكلم تصدقان على دراسة المعنى في كل اللغات لا في العربية الفصحى فقـط، وتصلحان للتطبيق في إطار كل الثقافات على حد سواء، ولم يكن “مالينو فسكي” وهو يصوغ مصطلحه الشهير: context of situation يعلم أنه مسبوق إلى مفهوم هذا المصطلح بألف سنة أو ما فوقها(46).
    والمقولتان تقرران من الوجهة العلمية مبدأ يصح تطبيقه على جميع الاتجاهات والمدارس في العلوم اللسانية خاصة والإنسانية عامة، هذا المبدأ هو وجود علاقة لا يمكن تجاوزها تنظيرا وتحليلا بين المقال وما يكتنفه من ظروف ومواقف وسياق اجتماعي. ولأمر ما جعل المفسرون والأصوليون من المعرفة بأسباب النـزول أصلا من أصول تفسير القرآن الكريم واستنباط الأحكام لا يقومان إلا به، وما المعرفة بأسباب النـزول إلا استيحاء للمقام لا مندوحة عنه لفهم المقال(47).
    فمطابقة الكلام لمقتضى الحال هو أساس البلاغة كلها، وهو الذي يجب مراعاته في الكلام حتى يصبح بليغا يتعدى مرحلة الإفهام.
    فبحكم ترابط المقال والمقام ترابطا جدليا تصبح خصائص الكلام غير منفصلة عن السياق الذي يحتويه، معنى ذلك أن الحكم للكلام أو عليه لا يتعلق بشيء في ذاته وإنما يتجاوزه إلى المطابقة المذكورة التي تحصل برعاية الاعتبارات الزائدة على أصل المراد على حد تعبير الشيخ عبد القادر المغربي(48).
    والعلاقة بين المقام والمقال تسير في اتجاهين على نحو مستمر، فكما أن المقال دليل على المقام فكذلك نجد المعرفة بالمقام جوهرية في فهم المقال، وتظل العلاقة الجدلية قائمة بينهما طوال عملية الممارسة اللغوية.
    وبسبب هذا الفهم الشامل لفكرة “المقام” يعتبر النص “المقال” منطوقا كان أو مكتوبا غير منبتٍّ عن سياقه ومن سيق له(49).
    ومثلما أن السياق ضروري كمبدأ للقراءة الصحيحة، فإنه ضروري للكتابة أيضا فالكاتب كما يقول “بارت” يكتب من لغته التي ورثها عن سالفيه ومن أسلوبه، وهو شبكة من الاستحواذ اللفظي ذات سمة خاصة شبه شعورية(50).
    فكل من المقام والمقال متمم للآخر وكل منهما يفترض الآخر مسبقا، وتعتبر النصوص مكونات للسياقات التي تظهر فيها، أما السياقات فيتم تكوينها وتحويلها وتعديلها بشكل دائم بواسطة النصوص التي يستخدمها المتحدثون والكتاب في مواقف معينة(51).
    ولهذا أصبح لزاما على الكاتب أو القارئ –عندما يتعلق الأمر بالنصوص المدونة التي فقدت عنصر المقام الاجتماعي فخفي علينا من ظروف قولها أشياء كثيرة – أن يعيد تكوين هذا المقام بتصور ما يمكن تصوره من أحداث بغية الوصول إلى أكبر قدر ممكن من المعاني.
    ولقد اتضح من خلال ما سبق اعتماد النص والسياق أحدهما على الآخر وكيف أن للسياق علاقة مباشرة بتفسير الوحدات الكلامية على مستويات مختلفة ومتعددة، “فالكلام لا يتأتى فصله بأية حال من الأحوال عن السياق الذي يعرض فيه”(52).
    لقد نظر “فيرث” إلى المعنى على أنه نتيجة علاقات متشابكة متداخلة، فهو ليس فقط وليد لحظة معينة بما يصاحبها من صوت وصورة ولكنه أيضا حصيلة المواقف الحية التي يمارسها الأشخاص في المجتمع، فالجمل تكسب دلالتها في النهاية من خلال ملابسات الأحداث أي من خلال سياق الحال(53).
    ذلك أن العبارة يمكن أن تحمل غموضا لا حصر له عندما تكون خارج السياق أما إذا استخدمت في سياق معين فإنها تفقد غموضها حيث يمكن تحديد الجملة التي ننطق بها من بين الجمل اللامتناهية العدد ذات التركيب النحوي السليم(54).
    فالمعنى الدلالي لا يتضح بمجرد النظر إلى معنى “المقال” وعليه فالمقام يعتبر عاملا مهما في تحديد محتوى القضية “وكلما كان وصف المقام أكثر تفصيلا كان المعنى الدلالي الذي نريد الوصول إليه أكثر وضوحا(55).
    يقول أولمان: “إن نظرية السياق –إذا طبقت بحكمة- تمثل حجر الأساس في علم المعنى، وقد قادت بالفعل إلى الحصول على مجموعة من النتائج الباهرة في هذا الشأن إنها مثلا قد أحدثت ثورة في طرق التحليل الأدبي ومكنت الدراسة التاريخية للمعنى من الاستناد إلى أسس حديثة أكثر ثباتا(56).
    ويقوم السياق بتحديد معنى الوحدة الكلامية على مستويات ثلاثة متميزة في تحليل النص فهو يحدد:
     أولا أية جملة تم نطقها إن تم فعلا النطق بجملة.
     ثانيا أنه يخبر عادة أية قضية تم التعبير عنها إن تم التعبير عن قضية.
     ثالثا أنه يساعدنا على القول إن القضية تحت الدرس قد تم التعبير عنها بموجب نوع معين من القوة اللاكلامية دون غيره.
    ويكون السياق في الحالات الثلاث هذه ذا علاقة مباشرة بتحديد ما يقال حسب المعاني المتعددة(57).
    من خلال ما سبق يتضح أن اللغويين العرب قد وقفوا على جملة من القوانين الهامة وعندهم نجد ما يسمى اليوم بعلم المعاني السياقي(56) وقد تبلور هذا عندهم خاصة في اهتمامهم بعوارض الملفوظ وهيئاته كالحذف والإيجاز والتقديم والتأخير فكانوا أول من تفطن إلى عناصر الدلالة ونيابة بعضها عن بعض، وأول من تبلور على أيديهم تبعا لذلك مصطلح السياق كدليل إضافي يعين اللغة على الأداء وضابط يتحكم في عناصر الملفوظ.
    وهذه بعض النماذج المنتقاة من كتاب “ملاك التأويل” لابن الزبير التي تدل على اعتبار السياق في تحليل صورة التقديم والتأخير فيما يبدو متشابها من آي القرآن الكريم:
     قال تعالى (ذلك الله ربُّكم لا إله إلا هو خالق كل شيء) [ الأنعام/ 103].
     وفي سورة غافر (ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو [غافر/62].
    أما الآية الأولى فقدم فيها الوصف بالوحدانية لما تقدم قبلها في قوله تعالى: (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم) وقوله (أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة) [ الأنعام /101-102] فلما تقدم هذا في السياق كان نفي ما جعلوه وادعوه من الشركاء والصحبة والولد أنسب فقدم قوله تعالى (لا إله إلا هو) لأن السياق كان في تقرير وحدانية الله تعالى وتنـزيهه عن الشركاء والولد.
    وأما الآية الثانية، فقد تقدم في سياقها قوله تعالى (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) ثم قوله (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا). فلما تقدم ذكر الخلق الأعظم، ولم يتقدم مثل ما تقدم في آية الأنعام أعقب ذلك بالتنبيه على أنه سبحانه خالق كل شيء، فكان تقديم هذا الوصف هنا أنسب للسياق والمقام فجاء ترتيب الوصفين في كل من الآيتين على ما يقتضيه انتظام الكلام(59).
     وفي قوله تعالى (وجعلناها وابنها آية للعالمين) [ الأنبياء /90] قدم ضمير مريم، وقدم الابن عليها في غير هذه السورة، قال تعالى (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) [المؤمنون/51].
    أما تقديم ضمير مريم في آية الأنبياء فلأن السياق في ذكر مريم، ولأن قبله (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا).
    وأما تقديم الابن في الآية الثانية فلأن السياق في ذكر الرسل، وقد عرضت السورة قصة إرسال نوح وأشارت بإيجاز إلى إرسال موسى وهارون ثم جاء ذكر عيسى، فقال تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) فكان تقديم الابن هنا مناسبا للسياق لأن عيسى عليه السلام من الرسل(60).
     وقال تعالى (لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) [البقرة 3/28]، وقال في سورة آل عمران (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) [آل عمران/29]، فتقدم في هذه الآية ذكر الإخفاء وتأخر في آية البقرة، والمراد من الآيتين تعريف العباد بإحاطة علمه سبحانه بما ظهر وما بطن على حد سواء –وتقديم ذكر الإبداء على الإخفاء مطرد في الآيات التي تختص بذكر المؤمنين كما اطرد تقديم الإخفاء في الآيات التي يذكر فيها المنافقون ويراعى في كل ذلك ما يناسب السياق(61).
     وقال تعالى في سورة الحديد: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم) [الآية /12] وفي سورة التحريم (يوم لا يخزي الله النبئ والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم) [الآية /8].
    فقدم الفعل يسعى في الأولى وأخر في الثانية، ووجه ذلك أن قوله تعالى في سورة التحريم (والذين آمنوا) يفهم من حيث المعية قرب المنـزلة وعلو الحال، فناسب ذلك ورود الجملة الاسمية هنا بما تقتضيه من الثبوت وتقدمه واستحكامه فقيل: (نورهم يسعى).
    وأما قوله في سورة الحديد (يسعى نورهم) فبشارة للمؤمنين، ولم يأت هنا كونهم مع نبيهم فلم يرد مما يفهم تمكن المنزلة وثبوتها مثل ما ورد في آية التحريم وإنما هذه بشارة، فناسب التجدد والحدوث فقيل (يسعى نورهم) ليفهم التكرر وحدوث الشيء بعد الشيء(62).
    ولعل النماذج التي توضح دور العلاقات السياقية في تحديد المعنى النحوي أكثر من أن يحيط بها العد، وقد اكتفيت بإيراد بعضها.
    2 – المتكلم والمخاطب وظروف المقال غير اللغوية:
    إن الشبكة التي تؤسس عملية التخاطب شبكة معقدة وهي تؤكد أن ظروف المقال غير اللغوية كالمتكلم والسامع تقوم بدور هام في تحديد خصائص الخطاب، ذلك أن جزءا كبيرا من معاني المفردات والجمل المستعملة يعتمد على الخبرة المشتركة بين المتكلم والمتلقي.
    لقد تقاسمت جهد البلاغي ظاهرتا الملفوظ والتلفظ، يقول حمادي صمود: “ونعني بالملفوظ بنية النص وخصائصه النحوية والبلاغية العامة من جهة أن النص تشكل لغوي قائم بذاته ولا دخل لملابسات إنجازه في تحديد صفاته، وهي وضعية نظرية تكاد تكون لا تتم لنص من النصوص، أما التلفظ ففعل يقوم به متكلم معلوم في حيز زماني ومكاني مضبوط يخرج به النص من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل وبموجب هذا الإخراج تتدخل في العملية اللغوية عناصر أجنبية عنها كالمتكلم والسامع والسياق”(63).
    إن الترتيبات اللفظية التي تؤول إلى أن تكون لها المزية في معناها تكون لها تلك المزية حين يكتشف المتكلم وسيلتها من الثروة اللغوية التي نفترض أن القواعد تضمها، بهذا يمكن أن يقال إن استعمال القواعد استعمالا خاصا في معنى خاص يجعل من الترتيب اللغوي الناتج قولا ذا مزية منتسبا للقائل الذي اكتشفه(64).
    ومعنى هذا أن استعمال القواعد النحوية من لدن المتكلمين ليس على درجة واحدة من الإتقان من هذه الجهة أي من جهة علاقة التراتيب بالعالم، ويمكن أن يقال كذلك إن اكتشاف العالم ينتج عنه اكتشاف تراتيب لغوية مناسبة يستحق مكتشفها ادعاء ملكيتها(65).
    ويمثل النحو مجالا لعمل المتكلمين الذي هو موضوع علم المعاني أما عمل المتكلمين فهو التصرف في أنواع الكلام من نفي واستفهام وتقديم وتأخير.
    كما أن التوخّي عملية يقوم بها المتكلم حين يختار نظما نحويا على نظم نحوي آخر وهو حين يختار فإنه يخضع لظروف غير لغوية يقوم البلاغي بوصفها مراعيا مختلف الحيثيات المقامية التي تساهم في تحديد خصائص الجملة البنيوية المختلفة.
    إن المتكلم “يمثل من النظرية البلاغية منـزلة مرموقة، فهو طرف أساسي في عملية الكلام وعنصر فعال في تحديد خصائص النص إذ على عاتقه تقع كلفة إخراجه على سمت يستجيب لمقضيات الوظيفة والإبانة والمقام”(66).
    وهو الذي يعمل الأعمال الدلالية التي تنقلب عند النحوي إلى مفاهيم، ويعمل الأعمال الدلالية التي تنقلب عند البلاغي إلى مفاهيم بلاغية معنوية أو مجازية أو بديعية.(67) كما أنه مدعو لتحقيق المناسبة المرجوة حتى لا يخرج عن حد البلاغة إلى مراعاة الغرض الذي يسعى الحديث إلى تحقيقه، فلا يخلط بين أقدار الألفاظ وأقدار المعاني ولا يتصنع الجد حيث يجب الهزل(68).
    وكذلك مطابقة الكلام لمقتضى الحال من عمل المتكلم فهو الذي يطلب منه أن يراعي المقامات وتفاوتها طبقا للقواعد والأصول الموضوعة “لأن تنـزيل الكلام هذه المنزلة يحتاج إلى إتمام الآلة وإحكام الصنعة”(69) كما يحتاج إلى اقتناع المتكلم بأن “سياسة البلاغة أشد من البلاغة”(70).
    كما يعتبر المخاطب (المستمع / المتلقي) قطبا آخر من أقطاب العملية التواصلية، فمراعاته ومراعاة مقامه وجلب انتباهه مما يؤثر في تركيب الجمل وحشر مكوناتها وفق ترتيب معين، كما أن عدم اعتبار المخاطب قد يؤدي إلى خلق حالة فيه معاكسة تماما لما كان المتكلم يروم فيه.
    فمعرفة “أقدار المنزلة” واجبة لأن مدار الأمر على إفهام كل قوم بمقدار طاقاتهم والحمل عليهم على أقدار منـزلتهم(71) وذلك من مهام المتكلم الذي يجب أن يبلغ من السامع مقصده كنشاط السامعين ووجودهم على هيئة جسدية وعقلية تسمح لهم بتمثل ما يقال لهم.(72) وقد نقل في هذا الصدد قول عبد الله بن مسعود: “حدث الناس ما حدجوك بأبصارهم وأذنوا لك بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم وإذا رأيت منهم فترة فأمسك”(73).
    ولعل جلب الانتباه هو ما جعل ابن جني يقول: “فلو كان استماع الأذن مغنيا عن مقابلة العين مجزئا عنه لما تكلف القائل ولا كلف صاحبه الإقبال عليه والإصغاء إليه… وعلى ذلك قالوا: رب إشارة أبلغ من عبارة، وقال لي بعض مشايخنا رحمه الله أنا لا أحسن أن أكلم إنسانا في الظلمة”(74).
    وقد كانت عناية ابن قتيبة بالكاتب والمكتوب إليه فائقة حيث ألف كتابه لهذا الغرض يقول: “ونستحب له –الكاتب- أيضا أن ينـزل ألفاظه في كتبه فيجعلها على قدر الكاتب والمكتوب إليه وأن لا يعطي خسيس الناس رفيع الكلام، ورفيع الناس وضيع الكلام”(75).
    وهذا ليس بمحمود في كل موضوع ولا بمختار في كل كتاب، بل لكل مقام مقال، ولو كان الإيجاز محمودا في كل الأحوال لجرده الله تعالى في القرآن، ولم يفعل الله ذلك ولكنه أطال تارة للتوكيد وحذف تارة للإيجاز وكرر تارة للإفهام.(76)
    ويحتاج الكاتب إلى معرفة المكاتبين عند من يكتب عنه وما يليق بهم من الأوعية والعنوانات على حسب ما تقتضيه مرتبة مخدومه بين مراتبهم فينزل كل واحد منهم مرتبته اللائقة به، يقول ابن السيد: “ومراتب المكاتبين ثلاثة: مرتبة من فوقك ومرتبة من هو مثلك ومرتبة من هو دونك، ولكل طبقة من هذه الطبقات مرتبة في المخاطبة ومنزلة متى زيد عليها أو قصر به عنها وقع في الأمور الخلل وعاد ذلك بالضرر”(77).
    ولأجل أن الاعتبارات اللغوية تتبع أحوال المخلوقين وعاداتهم وما يقتضيه ظاهر البنية وموضوع الجبلة(78) أوصى بشر بن المعتمر المتكلم “أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات”(79).
    فمراعاة حال المتكلم شكلا ومضمونا تقف جنبا إلى جنب مع مراعاة حال المخاطب ولهذا قال الجاحظ: “إن المفهم لك والمفهم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهم أفضل من المتفهم وكذلك المعلم والمتعلم، هكذا ظاهر هذه القضية وجمهور هذه الحكومة”(80).
    إن كلا من المقام والمتكلم والمخاطب عناصر غير لغوية وهي تمثل ضغوطا إنجازية قصوى إن روعيت حَسُن الكلام ونجحت العملية التواصلية وارتقت أعلى القمم البلاغية. ولا يمكن للمعنى أن يتضح إلا باستحضار المقام الحي والمتكلم الفطن والمخاطب اليقظ.

    الهوامـش

    1. اللغة والمعنى والسياق، جون لاينـز ص:27-28.
    2. نظرية النحو العربي، نهاد الموسى ص:88.
    3. علم اللغة، محمود السعران ص:263.
    4. اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان ص:372.
    5. اللغة والمعنى والسياق ص:215.
    6. اللغة العربية معناها ومبناها ص:337.
    7. انظر: أسلوبية التراكيب وقضايا التقديم، أطروحة التقديم والتأخير في التراث النحوي والبلاغي، د. رشيد بلحبيب ص:455.
    8. التفكير البلاغي عند العرب، حمادي صمود ص:528.
    9. حاشية الدسوقي 1/125.
    10. المطول ص:25.
    11. مفتاح العلوم ص:163. مختصر التفتازاني 1/157.
    12. مواهب الفتاح 1/122-123، وانظر: أسرار البلاغة، الجرجاني ص:48-49.
    13. مختصر التفتازاني 1/122-123.
    14. مفتاح العلوم ص: 168-169.
    15. امطول ص:25.
    16. مواهب الفتاح 1/126.
    17. التفكير البلاغي عند العرب، حمادي صمود ص: 208-209.
    18. أبجد العلوم 1/267.
    19. اللغة والمعنى والسياق ص:240.
    20. النظريات اللسانية، محمد الصغير بناني ص:174.
    21. الخطيئة والتكفير، الغذامي ص:8.
    22. التفكير البلاغي عند العرب، حمادي صمود ص:302. وعلم الأسلوب، صلاح فضل، ص:180.
    23. الأصول، تمام حسان ص:333، ونظرية النحو العربي، نهاد الموسى ص:84-85.
    24. البيان والتبيين 1/92-93.
    25. ينظر: النحو والدلالة ص:113.
    26. الدراسات الإحصائية للأسلوب، سعد مصلوح ص:118 (عالم الفكر).
    27. نظرية النحو العربي، نهاد الموسى ص:88.
    28. المرجع السابق ص:90-91.
    29. اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان ص:337.
    30. الإشارات والتنبيهات، الجرجاني ص:14.
    31. مواهب الفتاح، 1/128-129.
    32. البيان والتبيين، الجاحظ ص:14.
    33. التلخيص ص: 33-34-35، ومختصر التفتازاني 1/128.
    34. الأصول، تمام حسان ص:333.
    35. الخطابة ص: 105-206، ويجعل ذلك مما تتوقف عليه سلامة اللغة وهو أساس الأسلوب الجيد.
    36. المطول ص:26، مختصر التفتازاني 1/125.
    37. الخواطر الحسان ص:7، ومفتاح السعادة 1/185.
    38. المطول ص:127، مواهب الفتاح 1/447.
    39. التلخيص ص:89-90.
    40. مفتاح العلوم ص:238-239.
    41. أبجد العلوم 1/267.
    42. اللغة والمعنى والسياق ص:134.
    43. اللغة العربية معناها ومبناها ص:370.
    44. نظرية النحو العربي، نهاد الموسى ص:87.
    45. مفتاح العلوم ص:168-169.
    46. اللغة العربية معناها ومبناها ص:372.
    47. الدراسات الإحصائية للأسلوب، سعد مصلوح ص:114 (عالم الفكر).
    48. مواهب الفتاح 1/74.
    49. اللغة العربية معناها ومبناها ص:351.
    50. الخطيئة والتكفير، الغذامي ص:12-13.
    51. اللغة والمعنى والسياق ص:215.
    52. علم اللغة، محمود السعران ص:265.
    53. الاتجاه الوظيفي، يحيى أحمد ص:81-82 (عالم الفكر).
    54. اللغة والمعنى والسياق ص:218. وعلم الأسلوب صلاح فضل ص:81.
    55. اللغة العربية معناها ومبناها ص:346. الأصول، تمام حسان ص:334. أثرالنحاة في البحث البلاغي ص:193. الدراسات الإحصائية، سعد مصلوح ص:217 (عالم الفكر)، نظرية اللغة والجمال، تامر سلوم ص:123.
    56. دور الكلمة في اللغة ص:66-67.
    57. اللغة والمعنى والسياق ص:222.
    58. التفكير البلاغي عند العرب، حمادي صمود ص:53.
    59. ملاك التأويل 1/468.
    60. التناسب في النظم القرآني ص:385.
    61. ملاك التأويل 1/279-282.
    62. ملاك التأويل 2/1071.
    63. التفكير البلاغي عند العرب، حمادي صمود ص:299.
    64. الطبيعة والتمثال، أحمد العلوي ص:254.
    65. المصدر السابق.
    66. التفكير البلاغي عند العرب ص:248.
    67. الطبيعة والتمثال ص:228، ونظرية النحو العربي، نهاد الموسى ص:85-86.
    68. التفكير البلاغي عند العرب ص:211، وانظر: نظرية اللغة، عبد الحكيم راضي ص:492-493.
    69. البيان والتبيين 1/162.
    70. المصدر السابق 1/197.
    71. المصدر السابق 1/92، وانظر: نصوص النظرية البلاغية ص:64.
    72. التفكير البلاغي عند العرب ص:209، ومع البلاغة العربية، سلطاني ص:73.
    73. البيان والتبيين 1/104.
    74. الخصائص 1/247. ونظرية النحو العربي، نهاد الموسى ص:97.
    75. الاقتضاب 1/140.
    76. المصدر السابق، وانظر: أثر النحاة في البحث البلاغي ص:192-193.
    77. الاقتضاب، ابن السيد 1/140.
    78. أسرار البلاغة، الجرجاني ص:365.
    79. البيان والتبيين 1/136-137. والصناعتين ص:141.
    80. البيان والتبيين 1/11-12، وانظر التفكير البلاغي عند العرب ص:186.

أضف رد