مبدأ التعميم في نظرية النحو التوليدي التحويلي

أغسطس
02

images

يفهم من صفة التعميم في منهج المدرسة التوليدية أنّها لا تقصر الوصف والتفسير اللسانيين على لغة خاصّة، بل تجعل النظرية الواصفة المفسّرة معمّمَة على الظّاهرة اللغويّة البشريّة، في كافّة اللغات، وتدعى النظرية اللسانية الواصفة والمفسرة، للغة البشرية قاطبةً، بنظرية النحو الكلّيّ (Universal Grammar) والقول بقواعد النحو الكلي هو قول بظاهرة التعميم أي تعميم مجموعة من المبادئ العامّة على سائر الأنحاء الخاصة، وهو قول بأن اللغات الخاصة التي توصف بتلك الأنحاء الخاصة، تحكمها قواعد عامة كلّيّة، هي قواعد النحو الكليّ، ولا بدّ من ظاهرة التّعميم (Generalization) في جسم النظرية حتى يصحّ نعتُها بأنها نظرية لسانسة عامّة أو كلّيّة تقوم على وجود ثوابت عميقة تحكم الظواهر اللغوية – أصواتها، وتراكيبها ، ومعجمها ، وصرفها ، ودلالاتها – وقواعد لغوية ترتد إليها الأجزاء والآحاد ،و لا بدّ لكي تتحقق صفة التعميم والكلّيّة في النظريّة من اطراح عوامل الاختلاف والتنوع في اللغات، التي هي عناصر محلية لا انتساب لها إلى المبادئ والقواعد الكلية ، وإنما هي محكومة بقواعد أخرى تؤول المختلفات وتفسرها بمتغيرات القاعدة الكلية الواحدة وتنوع أوجهها، وتسمى هذه المتغيّرات التي تفسر الخصوصيات بالوسائط أو الباراميترات (Parameters)
قواعد النحو الكلّيّ قواعد كلية مستقرة في مخزون المتكلمين قاطبة ،الذين لا يفزعون إلى هذه القواعد إلا لانتقاء ما يناسب لغاتهم ، ويوسّطون في الانتقاء وسائط لتثبيت القيم المناسبة ، تنتهي بالمستعمل اللغوي إلى تنزيل مبادئ النحو الكلي ومقاييسه على لغته الخاصة، فيتم الانتقال من الكليات إلى الجزئيات والأنواع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

انظر:
– من قضايا الأشباه والنّظائر بين اللغويات العربية والدّرس اللساني المعاصر، د. عبد الرحمن بودرع، نشر: حوليات الآداب والعلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، الرسالة:227، الحوليّة:25، مارس2005
– نظرية النحو الكلي والتراكيب اللغوية العربية دراسات تطبيقية، د. حسام البهنساوي، مكتبة الثقافة الدّينية، 1998
– Formal Parameters of Generative Grammar, I: Yearbook 1985 by Ger de Haan, Wim Zonneveld, Author(s) of Review: Thomas F. Shannon
Language, Vol. 62, No. 4 (Dec., 1986)

الردود 4

الردود 4 على موضوع “مبدأ التعميم في نظرية النحو التوليدي التحويلي”

  1.  elmejdki hafssa

    اللسانيات العربية واللسانيات الغربية
    علم اللسانيات في هيأته المعروفة لدينا الآن انبثق عن المفهوم المعرفي الغربي، وفيه تهيأت لـه كل شروط الإمكان والتحقق ليغدو معرفة طيعة استعملت في مجالات المعرفة، الأمر الذي ساعد على نهوض هذا العلم ليتسلق إلى الثقافات الأخرى المتعدد وكان للثقافة العربية نصيب كبير منها.
    وعلى الرغم من محاولة تلمس الجذور العربية اللسانية وتتبع تاريخ ذلك النشوء، وعلى الرغم أيضا من وجود أبحاث لسانية عربية لا تقل شأنا ومنزلة عن مستوى نظيرتها في الغرب، إلاّ أن المتتبع لخريطة البحث اللساني في المجال التداولي العربي، يجد أن اللسانيات العربية مازالت لم تبلغ مستوى نظيرتها في الغرب وإنها وقعت في مطب ما يمكن أن نسميه بوهم النظرية على غرار ما يعرف في الغرب بوهم الوصفية(1)!.
    تكمن أهمية الدرس اللساني في انه يساعد في دراسة اللغة البشرية بصفة عامة، لذا ظهرت الكثير من الدراسات التي تروم تقديم اللسانيات ومفاهيمها النظرية والمنهجية بشكل مبسط قصد تيسير المعرفة اللسانية للقارئ العربي سواء كان يلج عالم التخصص أو قارئا ينشد التسلح باللسانيات للاستفادة منها في مجالات فكرية أخرى من فكر عربي أو نقد أدبي أو تاريخ أو ما شابه ذلك.
    وسوف أحاول في هذا البحث أن أتناول جانبًا مهمًّا من هذه القضية، وهو جهل بعض من المتخصصين باللغة العربية في الوطن العربي بالأبحاث التي تنجز في الغرب عن اللسانيات فضلا عن نقلها بصورة مشوهة أو مجتزأة في أحسن صورها، وإني لا أقصد بهذا التقليل من أهمية الأبحاث الجادة التي يكتبها بعض الباحثين العرب باللغة العربية(2).
    ونحن نرى الكثير من الدراسات التي سعت إلى تعريف القارئ بالنظرية اللسانية الحديثة ولذا يقفز إلى الذهن السؤال الأهم عندنا وهو ما هي الكيفية التي يتم بوساطتها نقل هذه النظرية؟، وما المبررات التي اختيرت بواسطتها هذه النظرية من دون غيرها من النظريات؟، وما هي النتائج التي تم تحقيقها بالنسبة للنص الادبي العربي؟، وكل هذه الأسئلة تدور حول مكان واحد ومستفيد فرد هو المتلقي العربي.
    اللسانيات الغربية واللسانيات العربية
    ـ القطيعة والتلاقي ـ
    إن الأمر الذي يمكننا الجزم به هو إن مسألة النقد بوجه عام، والنقد الأدبي بوجه خاص، في ثقافتنا العربية المعاصرة، هي مسألة اختلال العلاقة أو انقطاعها بين الوضعية الإيجابية التي أسست عليها والتطبيق الفعلي على النص العربي(3)، وبما أن النظريات الغربية تصل إلينا على أساس النظرية القائلة بإحلال البعض محل الكل وهو أمر سائد في حياتنا العامة، إذ يحل جزء من المجتمع عن المجتمع كله ويمثله من دون أي تفويض، وفي نطاق هذه القضية فإن النظرية الغربية حين تنقل إلينا تنقل على السنة هولاء (البعض) الذين ينوبون حول، وبحسب هذا الأمر تقع إشكالية القطيعة بين ما هو لساني غربي وما هو لساني عربي، إذ تحيل الأولى على وضعية قطعت جميع صلاتها بمبادئها العقلية التراثية المؤسسة، وتحيل الثانية على وضعية مزهوة بذاتها وصلتها بالماضي العريق الذي تستمد منه كل الصلاة الحديثة وحتى رغبة المستقبل تبنى على هذا التراث المتراكم، ولنا بعد هذا أن نقول بأن هذه المسألة بدأت بالفصل القسري بين الاثنين وان هولاء (البعض) الذين انتدبوا لنقل هذه النظرية كانوا منقطعين أو غير حاملين لمؤسسة التراث القديم وامدادته الأمر الذي وسع من رقعة الخلاف بين ما هو اصل وبين ما هو عربي حتى وان حاول هولاء عكس هذا المفهوم على النص العربي.
    فالجميع يعرف أن كل واحد من الاتجاهات الأدبية والفنية والنقدية، في الغرب، إنما كان يرتكز على أساس فلسفي؛ أي إن في أساس كل واحد من تلك الاتجاهات، وفي قاعه رؤية إلى العالم تقوم على منهج أو طريق أو طريقة أو نظرية في المعرفة، والجميع أيضا يعرف أن العقل الثقافي العربي مبني على أساس الفكر النظري أو النظر العقلي للأشياء، وهذا الفكر النظري أو النظر العقلي كان مطرداً في جميع الثقافات، سواء نظَّرت له هذه الثقافات أو لم تنظر له، وهو أمر لا يمكن خرقه في الثقافة العربية التي تذهب إلى تقديس القديم ونقد، هذا النقد الذي قد يذهب إلى حد تكفير كل ما هو خارج عن النص التراثي (القديم) والتي تعدّ كل ما خرج عنها بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. وقل مثل ذلك في جميع مبادئ النهضة الفكرية للعرب.
    مشكلة المنهج اللساني في الدرس العربي:
    مع شيوع المفهوم السابق الذكر للدرس اللساني في الوطن العربي، راح الكثير من الدارسين يسعون إلى الإفادة منه في قراءة النص الأدبي داعين في الوقت نفسه إلى التخلي عن ما وصفوه بالأساليب القديمة في التحليل الأدبي للنصوص(4).
    فحاول هولاء التحول بالخطاب النقدي من دراسة النص من داخل بنياته ومكوناته الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية إلى غير ذلك من المستويات والوحدات التي تشكل عالم الشعر أو السرد، والتي إنبنت بدورها على ركائز لسانية في الأساس، هذا الأمر أدى إلى أن هذه الإفادة من الدرس اللساني الغربي وعكسه على الدرس العربي قد أفرزت عددا من الطرائق التحليلية التي تحاول إعادة الاعتبار للنص الأدبي، لتشكل عالمها المتفرد الذي يلزم تحليلا خاصا لا خلط فيه بين المبادئ، ولا مزج فيه بين النظريات المتباعدة من حيث المبدأ والتصور .
    وعلى الرغم من أن الكثير من الدراسات الحديثة أكدت نجاحها في التخصص الدقيق الذي نهضت عليه كما هو الحال في دراسة البنية السطحية والعميقة، والمحور الاختياري والتوزيعي والعلاقات والأنموذج إلى غيرها من المفاهيم الأساسية في تحليل ودراسة النص الأدبي، بل إن من الباحثين العرب من اتخذ من الدرس اللساني طريقا لإعادة قراءة التراث، كما هو الحال في مشروع الدكتور عبد السلام المسدي (المقاييس الأسلوبية في النقد الأدبي من خلال البيان والتبيين) و(الفكر اللساني في الحضارة العربية) و(التفكير البلاغي عند العرب أسسه وتطوره إلى القرن السادس) للدكتور حمادي صمود و(مظاهر التـفـكير في الأسلوب عند العرب) للدكتور الهــادي الطرابـلسي و(نحو قراءة جديدة لنظرية النظم عند الجرجاني) للدكتور أحمد المتوكل و(الاتجاه الوظيفي في تحليل اللغة) للدكتور يحي أحمد يحيى و(اللسانيات واللغة العربية) للدكتور عبد القادر الفاسي الفهري .
    إلاّ إننا نرى أن الوقوف على جانب واحد من جوانب الدراسة اللسانية سيصيب هذا الدرس بالعجز في دراسة النص وهو جزء من المشكلة الكبيرة التي وقع فيها المتلقي العربي الذي راح يظن أن كل جزء من هذه الكتابات كان يمثل النظرية اللسانية برمتها، فضلا عن الغلو الكبير الذي راح يسير عليه الكتاب العرب في الترويج لهذا الدرس ـ على الرغم مما يبدو عليه من الجدة ـ عن طريق المبالغة والتهويل في عرض القضايا حيث هذا الركام من الترسيمات والجداول والتشجيرات والأرقام غير المفهومة حتى أن القارئ بدأ يجد صعوبة في فك هذه الجداول المعقدة، التي كان من المفترض أن تساهم في توضيح النص بدل إغراقه في الغموض، حيث يصبح القارئ مرغما على أن ” يجهد نفسه كثيرا في متابعة الجداول الإحصائية التي تعد تكرار وحدات لغوية، وتلك التي تقدم تحليلا نحويا للقصيدة. لكن ذلك الاجتهاد لا يقارن بالحيرة الكاملة والمحاولات المستميتة التي يجب عليه أن يبذلها عندما يواجه بالرسوم التي يفترض أنها توضحية لبنية النص الشعري، وهي رسوم (دوائر ومتوازيات وأشياء أخرى كثيرة لا تحددها المعلومات الهندسية) تدخل القارئ في متاهة إثر متاهة ليخرج منها في نهاية الأمر مجهدا مرهق الفكر، وقد فقد توازنه تماما، بعد أن ابتعد أميالا عن النص الشعري، بدلا من الاقتراب منه “3 بهذه الطريقة تضيع السبل أمام المتلقي، وتتلاشى تلك العلاقة التي كان من المفترض أن تقوم بين النص والقارئ، فيضيع معها (النص)، الذي يتوارى خلف عالم من التجريد والترقيم.
    فيصبح السؤال الذي نطرحه هنا ما فائدة الدرس اللساني للقارئ العربي إذا كان فهمه مخبأ وراء ركامات من العبارات الغامضة، وما هي جدوى هذه الدراسات وأين النص من كل هذا؟. كما يدفعنا ذلك إلى طرح تساؤلات موازية عـن الدرجة التي بلغتها التجارب العربية ذات المنحى اللساني: هـل استطاعـت فعلا أن تحـقـق خصوصيتها أم أنها بقيت مجرد تجارب (ممسوخة)، لا هي عـربية ولا غربية؟!
    نعـم، إن الركام من المؤلفات اللسانية ذات النظرة العربية في ظاهرها كبيرة جدا فلا يمكن نكران التراكم الهام الذي حققته هذه التجارب، والتي حاولت توجيه المتلقي والمحلل معا نحو النظريات والمناهج الحديثة والمتفرعة عن الدرس اللساني، غير أن كثيرا من العوائق وقـفـت ولا زالت تحول دون استثمار منتج وفعال للإمكانات الهائلة التي يتيحها الدرس اللساني بمختلف فروعه واتجاهاته، والتي من بينها، ولعل أهم الأسباب التي أبعدت المتلقي العربي عن فهم هذه المناهج (اللسانية) بالصورة الصحيحة المتكاملة هي:
    1- الخلط في المفاهيم وعدم استحضار الحس النقدي المطلوب.
    2- تغييب أو تجاهل الخلفيات المعرفية والمرجعيات الخاصة بكل نظرية أو تصور.
    3- عدم ضبط وتحديد اللغة الواصفة والإغراق في التجريد، والمبالغة في استعمال الإحصاء والترسيمات.
    4- عدم مراعاة خصوصية النص العربي عند التطبيق أو التحليل اللساني.
    5 – عدم فرز النتاج اللساني المختلف في منهجه وإبعاد ما لا يتلاءم واللغة العربية، والاعتماد على ما يسير والدرس العربي وذلك للإفادة مما يمكن أن تقدمه للمحلل والباحث في هذا المجال. إذ اللافت للانتباه هو هذا التجاهل المثير للاختلاف بين الاتجاهات اللسانية، وعدم استثماره في إنتاج تحاليلي خصبة، متنوعة ومنتجة. يضاف إلى ذلك عدم إقامة حدود فاصلة بين الدرس اللساني كما هو في (أصوله ونظرياته)، وبين (طرائق) توظيفه في تحليل الظواهر اللغوية والأدبية في مختلف تجلياتها، بحيث يجب أن تستثمر نتاجات اللسانيات لكي تخدم التحليل وتكشف بنيات النص.
    6- كثرة المصطلحات والقوانيين التي لم تثبت إجرائيتها في التحليل، حتى تحولت إلى علامات جوفاء، تعيق أكثر مما تساعد، بل إنها تتجاوز ذلك لتعطل (الدلالة) التي هي أساس اللغة والمفتاح الرئيس لولوج عالـم النص .
    اللسانيات وعلاقتها بالمتلقي العربي:
    لا يمكن لأي نظرية في الوجود، لغوية كانت أو غير ذلك، أن تكون ناجحة وفاعلة ما لم تجد اهتماما عند المتلقي لها ورواجا في الاستعمال، فالمتلقي في النظريات اللغوية هو الغائب الحاضر في كل عملية تأليف؛ ولذلك فكل نظرية لغوية تظهر عربية كانت أو غربية يتوقف نجاحها على نجاح العلاقة التي تقيمها بينها وبين المتلقي، وتبدأ هذه العلاقة بنوع من استدراج المتلقي لكسب موافقته للتصديق بالنظرية وقبولها، لتنتهي في الأخير بمحاولة إخضاعه وإذعانه ثم انقياده.
    وعلى هذا الأساس فان قرب النظرية من التطبيق الفعلي الفعال في النصوص المطبقة عليها فرضيات النظرية ومدى وصول هذه الفكرة إلى أحضان المتلقي هو الأمر الذي به يحكم على نجاح هذه النظرية أو فشلها، ومن هنا فان الناقل للنص الآخر (النظرية) وهو المثقف العربي المنتخب عن المجموع ـ كما أسلفنا القول ـ يترتب عليه نجاح وصول النظرية إلى المتلقي أو فشلها، وإليه توكل مهمة توجيه النظرية وتنظيمها، وبالتالي تهييء القارئ لاستقبال مشروع قيد الإنجاز، سيكون مجاله ـ لا محالة ـ التطبيق الصحيح على النصوص.
    وبهذا يأخذ ناقل النظرية وظيفة إقامة الاتصال مع المتلقي العربي، فهو المسؤول عن الطريقة التي تؤدي إلى ربط التواصل أو إطالته أو قطعه، فالناقل للنظرية اللساني من المتن الغربي إلى المتن العربي هو بمثابة العتبة أو المدخل أو البهو الذي يلج منه المتلقي إلى دهاليز تلك النظرية ليمسك بخيوطها الأولية والأساسية ليدخل بعد ذلك إلى مفاصلها وتقعيداتها، ولهذه الأهمية يجب على ناقل النظرية أن يعرف مقدار قرب هذه النظرية والنص العربي التي يراد تطبيق النظرية عليه مستعيناً بالوظيفة الانفعالية أو التأثيرية الإغرائية التي تجر المتلقي إليها.
    ومن هنا تحضر هذه الوظيفة بشكل لافت في مقدمات الكتابات اللسانية التمهيدية التي تركز على أهمية الدرس اللساني ومكانته في قراءة النص العربي.
    وهنا يأتي سؤالنا الذي نريد، هو لم هذه القطيعة بين النظرية اللسانية والنظرية اللسانية (العربية) وهل حقا استفادت النصوص العربية من تطبيقات اللسانيين العرب لهذه النظرية عليها؟.
    إن اللافت للانتباه هو أن الدراسات التي حاولت أن تستلهم الأنموذج اللساني، لتطبقه على أعمال شعرية وسردية مختلفة، مثل أعمال الدكتور حسين الواد في (البنية القصصية في رسالة الغفران)، والدكتور حمادي صمود في (ور في شعر مصطفى خريف). والدكتورة خالدة سعيد في (النهر والموت للسياب: دراسة نصية)، حيث نلمس بوضوح حضور الأنموذج اللساني البنيوي الوصفي بخاصة في أصوله الأولى، وكذلك ما كتبه الدكتور كمال أبو ديب،وبخاصة في كتابه (الرؤى المقنعة) الذي خصه لدراسة بعض عيون الشعر الجاهلي، معتمدا الوصف التشجيري حيث نجده يفرع جمل البيت الواحد إلى قائمة طويلة من الوحدات الجميلة المتصلة فيما بينها بعلاقات وروابط متنوعة، الهدف منها محاولة إغناء الدلالة بوصف هذه الجمل أنساقا لوحدات متنوعة، لكنها مرتبطة بعلاقات خاصة، حاولت العزف على الوتر الحساس عند المتلقي العربي، وهو تقديم النظرية اللسانية إليه بشكل تطبيقي على النص العربي مع توطئة تساعده على معرفة هذه النظرية، وتهيأته لتتبع الخطوات اللاحقة بيسر وتطبيقها على غيرها من النصوص، إلا أن الذي حل بالمتلقي العربي انه وجد أن هناك تقولبا كبيرا حول النص النظري الغربي وان التطبيق على النص العربي أصابه الكثير من التأويل ومحاولة ليّ النص وطيه هنا وهنا لينطبق على مفاهيم النظرية لا أن تصل النظرية إلى مدلولاته.
    وقد حاولت بعض الكتب العربية أن تغري المتلقي بعبارات محفزة لاستدراجه إلى خبايا النظرية اللسانية عن طريق الترويج لكتبهم بأنها بمثابة نقطة انطلاق لاكتشاف الألسنية وهذا ظاهر بشكل جلي عند ميشال زكريا،الذي ذهب إلى أن الغرض من الكتب هو الجمع بين مبادئ الألسنية وبين ضرورة تقديمها للقارئ بصورة واضحة جلية، ودعوة القارئ العربي إلى تذوق هذا العلم الحديث، والإلمام به(5).
    إن الغاية التعليمية لا تقتصر على الكتابات التمهيدية ذات الصلة باللسانيات العامة، بل تظهر بوضوح في باقي أصناف الكتابة اللسانية التمهيدية كالصوتيات التوليدية: هذه الدراسة تمكن القارئ من التعرف على مختلف الاتجاهات الصواتية في إطار الصواتة التوليدية التي تكون جزءا من النحو التوليدي التحويلي والسيميائيات، لا أتوخى من هذا الكتاب سوى تقديم مجموعة من المعارف الضرورية والمفاهيم الأساسية للسيميائيات.
    واللافت للنظر أن النظرية اللسانية وبعد العزوف الحقيقي على تلقيها ـ بسبب الفشل في تطبيقا على النص العربي ـ انتقلت من التأليف التطبيقي الذي اشرنا إليه إلى التأليف المفاهيمي (التعريفي) بصفتها وظيفة غايتها تقديم اللسانيات إلى القارئ المبتدئ، ويتم التركيز فيها على مفاهيم غايتها الإثارة والإغراء وجلب المتلقي كما يظهر من خلال هذه العبارات الموضوعة لذلك، فالغاية من التأليف في هذا المحور هو: (الجدوى التعليمية، أو الإبلاغ التعليمي، أو تهيئة (القارئ)، أو تقرب حقائق علم اللسان، أو توطئة تساعده (المتلقي) في التعرف على النظرية اللسانية، أو تعريف الدارس المبتدئ بأصول ومناهج تذوق هذه الدراسة بشكل مبسط!!).
    ومن هنا يتضح لنا أن مشكلة القطيعة الفعلية بين النظرية اللسانية وبين المتلقي العربي تكمن في كيفية تقديم اللسانيات إلى القارئ المبتدئ في الكتابة اللسانية التمهيدية بحيث يأخذ صورة مختلفة عن النص الأصلي الموضوع في اللغة الغربية (الأم)، والواقع أن المقولات اللسانية لا يمكن تطبيقها في حالتها هذه إلا داخل (التلفظ)(6). وان تقريب اللسانيات إلى المتلقي العربي وإثارة انتباهه إليها باعتبارها معرفة حديثة،يحتاج إلى مَن يفهم النظرية الأم ويمزج بينها وبين النظرية اللغوية العربية القديمة ومن ثم يعكس هذا المفهوم على النص العربي من خلال تطبيقه على ذلك النص بطريقة تصل بالقارئ إلى دلالة النص وتضع مفاتيحه بيده لينطلق هو بعد ذلك إلى مداخل النص ويتلمس جمالياته.
    الخاتمة:
    اللسانيات والمتلقي العربي أسباب القطيعة المعرفية:
    يمكن ان نلخص هذه القطيعة بالنقاط الآتية:
    1- لعل أول ما يمكن أن يسجل هنا هو إن المفهوم الذي يحمله الناقل (المنتخب) عن المثقف العربي، لنقل النظرية اللسانية اختلف في فهمه مع المنتخب الآخر الناقل للنص (النظرية) الأمر الذي تعدى حدود الاختلافات القائمة بين المدارس والتوجهات اللسانية إلى اختلافات في الأصول والمبادئ، وهذا مكمن الإشكال.
    2- مفهوم اللسانيات العربية المبنية على التراث العربي تختلف جذريا عن النظرية اللسانية الغربية الأمر الذي نراه واضحا في الكتب اللسانية (التعليمية) التي ألفها عدد من العرب، الأمر الذي أحدث ارتباكا كبيرا في منظومة الفم عند المتلقي العربي.
    3- إنقطاع الصلة بين المنتخب (الناقل) للنظرية اللسانية إلى المتلقي العربي، الأمر الذي أحدث خللا كبيرا في المنظومة الاصطلاحية للدرس اللساني مما ادخل المتلقي العربي في دوامة من الاصطلاحات التي أبعدته عن النظرية وشتت فهمه لها.
    4- الغموض الكبير في طريقة التحليل للنصوص العربي وبالخصوص في الدراسات البنيوية،والخلل المنهجي في ذلك التحليل أحدث فجوة كبيرة بين المتلقي والنظرية لأنه لم يتلمس أثرها على النص العربي، وبالخصوص في تلك الدراسات التي تنسب نفسها إلى اللسانيات وهي بعيدة كليا عن البحث اللساني بمعناه العلمي الدقيق.
    6- لم يستطع المتلقي العربي أن يلمس نتائج الدرس اللساني، حيث لم تستطع المؤلفات اللسانية العربية أن تصل إلى فهم ترتضيه الذات القارئة وترتاح إليه.
    وبقية الإشارة هنا إلى أن المعطيات السابقة، وما عرضناها من إشكالات البحث اللساني في الثقافة العربية، لا يمكن جمعه كله في هذا المقام لان العوائق المثارة أكبر من أن تحصر في جوانب معينة؛ لكن ما يمكن أن يقال هنا هو إن الكتابة اللسانية بشكلها العربي تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية في تخلف ركب البحث اللساني العربي، لأن هذا النوع من الكتابة موكول إليه قبل غيره من أصناف الكتابة اللسانية الأخرى مهمة إنارة المتلقي العربي، وتزويده بمعرفة لسانية سليمة منهجا وموضوعا.

    الهوامش
    ـــــ
    (*) كلية الآداب، الجامعة المستنصرية.
    (1) “وهم الوصفية” (illusion du constatif) مصطلح استعمله جون لنشو أوستين (J.L.Austin)، فيلسوف أمريكي ينتمي إلى الفلسفة التحليلية ولد سنة1911وتوفي سنة1960) في كتابه “كيف نصنع أشياء بالكلمات؟” وذلك في إطار طرحه نظريتَه في الأعمال اللاقولية حيث يعتبر أنّ ثنائية الصدق والكذب التي تحكم ما عُدّ من قبيل الإخبار وتقرير حالة الأشياء في الكون، إنما هي ثنائية غير دقيقة شواذّها كثيرة، لذلك تجاوزها إلى ثنائية الانشاء الأولي/ الإنشاء الصريح.
    أنظر:
    Catherine Kerbrat Orecchioni. Article (Sémantique) in Encyclopaedia Universalis
    -Paris-1990- p.p.773-779.
    ترجمة شعبان بن بو بكر:” مجلة اللسانيات” العدد3- صيف1997- تونس ص.ص.40 -59).
    (2) ينظر على سبيل المثال ما كتبه: عبد السلام المسدي، اللسانيات وأسسها المعرفية تونس: الدار التونسية للنشر، 1986، وعبد القادر الفاسي الفهري: “اللسانيات العربية: نماذج للحصيلة ونماذج للآفاق” بيروت: دار الغرب الإسلامي،وحمزة المزيني: مراجعات لسانية، الجزء الأول. كتاب الرياض (العدد79) 1421هـ.
    (3) ينظر: في أصول الخطاب النقدي الجديد، لتودروف وآخرين، ترجمة: أحمد المديني – ص 13.
    (4) ينظر: عادل فاخوري: علم الدلالة عند العرب دراسة مقارنة مع السيمياء الحديثة – ص 29.
    (5) ينظر الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد اللغة العربية (النظرية الألسنية). الدكتور ميشال زكريا.المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر،ط1، 1982م.
    (6) ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة- ترجمة: محمد البكري ريمني العيد- ص 150.

  2.  الدكتور عبد الرحمن بودرع

    إَافةٌ جيدَةٌ في موضوع اللسانيات العربية واللسانيات الغربية
    أشكرك جزيلَ الشّكر على الإسهام الطّيّب في إغناء مواضيع هذه المدوَّنَة

  3.  الدكتور عبد الرحمن بودرع

    إضافةٌ جيدَةٌ في موضوع اللسانيات العربية واللسانيات الغربية
    أشكرك جزيلَ الشّكر يا حفضَة على الإسهام الطّيّب في إغناء مواضيع هذه المدوَّنَة

  4.  محمد الدردابي

    السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
    تحية طيبة الى الدكتور والشيخ العلامة،السيد عبد الرحمن بودرع وإلى كافة الإخوة والأخوات المرتادين لهذا المنبر اللساني المتخصص والمتفرد في ميدانه،في العالم العربي والإسلامي على أقل تقدير.
    إنه لمن الإلتفات الطيب والذكي من لدن صاحبه أن يطلع علينا بمثل هذه النافذة الرائعة بهذا المجهود الكبير وهذا العمل الجبار،متجشما أتعابا ليست بالهينة،وفي وقت كان هذا العلم حكرا على الغرب واللغربيين ولازال إلى الآن،حيث الإسهامات العربية والإسلامية لازالت محتشمةومضطربةومترددة، فأفاد دكتورنا وأجاد,نسال الله له حسن التوفيق والسداد.
    وأجزل الله الجزء.

أضف رد