مواضيع قسم ‘مؤلفات’

إتحاف الناظر بنفاضة الضمائر وعصارة الخواطر

مايو
12

أوْلى ما يُعْنى بِه القارئُ اليومَ ويصرفُ إليْه الهمَّ، معرفةُ تجارِب السنين وما يأتي على الإنسانِ من نوائبِ الدّهرِ وحَوادثِ الزّمان، فإنّ في التَّجاربِ علماً مُستأنَفاً، وفي النّظرِ في العَواقبِ شافياً أو مُريحاً، ومَن عرفَها طابَت لَه المَشاربُ، وإنّما يتفاضلُ النّاسُ بحُسنِ البيانِ عمّا في الضّمير وبراعةِ إخراجِه إلى حيّز الوجودِ والتّحرّي في اختيارِ ما ينفعُ النّاسَ ويُناسبُ العصرَ، وكلّ امرئٍ في ذلِك بأصْغَرَيْه  قلبِه ولسانِه، وكلُّ مُتكلّمٍ بأجملَيْه فصاحَتِه وبَيانِه. وما أحوجَ كلَّ مُتكلِّمٍ عَن نفسِه وساردٍ لسيرةِ حاضرِه وأمْسِه، إلى تَحرّي وُجوه الصَّواب، وانتقاءِ أنواعِ الحِكَمِ التي تُحيي القلبَ، وتَشحذُ الذّهنَ واللّبَّ، وتَبعثُ على مَكارم الأخلاقِ، ولا شَيءَ أنظم لشمل ذلك كلِّه، من تقْييدِ العِبَرِ وأخبارِ مَن غَبَر، ممّن لقِيَهُم الكاتبُ أو سمعَ عنهُم أو تلْمَذَ عليْهم أو جالَسَهُم أو أفادَ منهُم .
هذا وإنَّ لكلِّ صنفٍٍ من المعرفةِ، سبباً يدعو إلى التأليفِ فيه، ومعنىً يحدو على جمع مُتفرِّقِه. وإنّما الحكمةُ في كلّ فنٍّ جمعُ الأشتاتِ وضمّ المُختلفاتِ، والتّأليفُ بينَ الأشباه والنّظائر، وتمييزُ كلّ مَعْنى نادر.
ولولا تقييدُ الخواطر، ونَقرُ آثار الأوّلينَ، لضاعتْ فوائدُ العلم وحِكَمُه. ولذلكَ قيلَ: «لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما بَقِيَ الأوّلُ يَتعلّمُ منه الأخيرُ» .
هذا،  وإنّ رحلَة استرجاعِ الذّاتِ من شِعابِ الماضي وحافظَةِ السّنين، أو ما يُدعَى بالسّيرَةِ الذّاتيّة أو المذكّراتِ أو اليوميّاتِ أو التّرجمَة أو السّيرَة الذّهنيّة، لَمِن أصعبِ الرّحلاتِ التي يستجمعُ لَها الكاتبُ الهِمّةَ العَلْياءَ في أفُقِ التاريخ المُتصرّم، ويستنهضُ لها القوّةَ الاستذكاريّةَ لانتزاعِها من دياجيرِ النّسيانِ.
و حَقٌّ على كلّ فردٍ من أفرادِ الأمّة أن يُحييَ ذاكرتَه وذاكرةَ قومِه حتّى لا تنطبعَ الأجيالُ القادمةُ بآفَةِ النّسيانِ، وأنْ يضعَ بينَ يَدَي القارئِ حَلقاتٍ منْ قِلادةِ الحَياة.

تعليقات 6